عبد الواحد الأشهب

 

بعدما أبان المغرب عن حسن نيته و احتكامه للشرعية الدولية بقراره الإنسحاب بشكل انفرادي من منطقة الكركرات، في خطوة تلي الخطوة التي بادر بها جلالة الملك من خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه جلالته مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في 24 فبراير الجاري، أعلنت البوليساريو أنها ستبقي على تمركزها في منطقة الكركرات، وهي قمة تحدي الشرعية الدولية و عرقلة جهود منظمة الأمم المتحدة لنزع فتيل التوتر في المنطقة، على اعتبار ان المغرب قام بمبادرته تلك مع ربطها ب “تدخل الأمين العام من أجل العودة إلى الوضعية السابقة للمنطقة المعنية، والحفاظ على وضعها، وضمان مرونة حركة النقل الطرقي الإعتيادية، وكذا الحفاظ على وقف إطلاق النار وتعزيز الاستقرار الإقليمي”. مع العلم ان الأمر يتعلق بمنطقة حدودية عازلة ومنزوعة السلاح بـالصحراء المغربية بين المغرب وموريتانيا طولها  خمسة كيلو مترات، وتعرف في الأوساط الشعبية بـ قندهار نظرا لحالة الفراغ التي تعيشها، وازدهار عمليات التهريب فيها ، وقد خرقت فيها البوليساريو اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين الطرفين في العام 1991 تحت إشراف الأمم المتحدة، عندما أقامت نقطة عسكرية جديدة ، وعلى مسافة قريبة من الجنود المغاربة، بعدما شرع المغرب في شق طريق في جنوب المنطقة العازلة ، غير انه  لم يتمكن من تعبيد سوى جزء منها بطول أربعة كيلومترات إثر توقف الأشغال مع عمليات توغل البوليساريو التي تصاعدت، مما اضطرالأمم المتحدة إلى حث الطرفين على سحب قواتهما والحفاظ على الهدوء وعدم تغيير الوضع الراهن.

وبركوب البوليساريو رأسه و تحديه للمنتظم الأممي و للمجتمع الدولي الذي حيى مبادرة المغرب بانسحابه من الكركارات، أصبح الوضع مقلقا، لان المغرب الذي قام بما في إمكانه من أجل تلافي أي توتر ذي طبيعة عسكرية سيبقى ملزما بالدفاع عن حوزة ترابه الصحراوي وعن مقتضيات اتفاق إطلاق النار، مع احتفاظه بالحق في الدفاع عن النفس، كما هو مكفول بالمواثيق الدولية، كما أنه بإمكانه رفع شكاية إلى مجلس الأمن الدولي من أجل تهديد السلم بالمنطقة من طرف البوليساريو والمطالبة بتوقيع عقوبات دولية عليها، من قبيل وقف المساعدات الإنسانية التي تستولي عليها طغمة الإنفصاليين. وبالمقابل يبقى المغرب متطلعا لعهد جديد في التفاوض من أجل إيجاد حل ناجع لهذا النزاع المفتعل على أساس مبادرة الحكم الذاتي التي تحظى بترحيب دولي واسع، خصوصا في بداية ولاية أمين عام جديد للأمم المتحدة له اطلاع جيد على تفاصيل هذا الملف. وفي هذا السياق لا يسعنا كمغاربة سوى ان نسجل بارتياح تقديم المبعوث الأممي في المنطقة كريستوفر روس استقالته من منصبه، قبل انتهاء ولايته المقرر في نهاية مارس والتي دامت ثمان سنوات مرت فارغة ، في ظل ال ” البلوكاج” الذي يشهده مسلسل المفاوضات بين المغرب و البوليساريو منذ خمس سنوات. وقد عرف روس بزيادة طين النزاع بلة بسبب خروجه عن الحياد الذي يفترض توافره في أي وسيط اممي في أي نزاع ترابي كان، مما جعل المغرب يطالب في سنة 2012 باستبداله، خصوصا وأنه كان قد ورط الأمين العام السابق بان كي مون في الزيغ عن الحياد، إلى حد وصفه المغرب، في زلة لسان، ب”المستعمر”. وخروج كريستوفر روس من دائرة التفاوض حول هذا النزاع المفتعل سيكون أيضا مناسبة للمغرب لتجديد مطالبته بتعيين مبعوث أممي غير امريكي، وإن كان المشكل ليس في جنسية ممثل الأمين العام للأمم المتحدة بقدر ما هو تخوف من المغرب من تكرار تجربة روس السيئة الذكر.