سياسة

وثيقة مرجعية جديدة…خارطة الطريق لما بعد محطة المؤتمر الوطني الخامس للجبهة.

يأتي طرح وثيقة فكرية، مرجعية جديدة، في شكل مشروع مقرر توجيهي، بمناسبة، الذكرى 20لتأسيس جبهة القوى الديمقراطية، والمتزامنة مع انعقاد أشغال المؤتمر الوطني، الخامس للحزب، كإضافة نوعية في مشروع بناء حزب كبير، قادر على ترجمة أفكاره وتصوراته إلى مشاريع تنموية وسياسات عمومية ملموسة على أرض الواقع، يكون فيها الحزب فاعلا أساسيا واستراتيجيا، في خدمة الوطن والمواطن. بناء يستند إلى مقومات الحساسية المجتمعية والفكرية، المعبرة بصدق وفعالية عن متطلبات التغيير، في هذه المرحلة السياسية والتاريخية.

وجبهة القوى الديمقراطية، اليوم، وعبر الجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الخامس، تعرض، على مناضلات ومناضلي الحزب، وثيقة فكرية مرجعية مذهبية، تحظى بمواصفات العلمية للوثيقة المذهبية، وتحظى بمقومات الفعالية السياسية، من خلال قابليتها لاستلهام سياسات عمومية تلبي حاجات المواطنين.

كما تأتي هذه الوثيقة، وفي ضوء التحولات الهائلة للسياق العام الوطني، الإقليمي والدولي، لتختزل تجربة الحزب، وتوجهاته الأساسية ومبادئه، وأهدافه، على امتداد20سنة من التواجد، على الساحة السياسية، الحزبية الوطنية، ولتجدد الرؤية الفكرية والسياسية لمشروعه المجتمعي الديمقراطي الحداثي، القائم على فكرتي التحديث السياسي، والديمقراطية الاجتماعية، القائمة بدورها على أسس التماسك الاجتماعي، ومحاربة الفوارق الفئوية والمجالية، وإحلال قيم العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص مكانها.

ومن هذا المنطلق، فمهمة صياغة، مشروع الوثيقة الجديدة، هي استجابة تلقائية للمتطلبات الفكرية، التي تطرحها الظرفية السياسية الحالية بالمغرب، وتأخذ في الاعتبار متطلبات الصدقية والنسبية والاستمرارية والانفتاح. كما أن مشروع الوثيقة معروض على المؤتمر الخامس، يترك النقاش مفتوحا حوله للتعديل والإغناء، في أفق المؤتمر الاستثنائي القادم، الذي ترنو من خلاله، جبهة القوى الديمقراطية، إلى القيام بخطوة تحول كبيرة ومؤثرة، ليس فقط في مسار الجبهة، بل في الحياة السياسية الوطنية.

وانسجاما مع دلالات وأبعاد شعار المرحلة،” التماسك الاجتماعي ومحو الفوارق…مستقبلنا المشترك” الذي اختارته جبهة القوى الديمقراطية، لمحطتي العشرين سنة، والمؤتمر الوطني الخامس، فأولى مضامين الوثيقة الجديدة، تطرح في محورها الأول، مقومات التماسك المجتمعي، والوحدة الوطنية، انطلاقا من القناعة الراسخة باستحضار الهوية الوطنية، كسيرورة فاعلة في التاريخ، وأهمية الوعي بهوية التعدد في الوحدة، واحترام الهويات واللغات والثقافات والروافد العرقية المتعددة.

 كما تجعل الوثيقة من الثقافة الوطنية أصلا مركزيا لتأهيل العنصر البشري، وضرورة فاعلة، لتشكيل الوعي الحداثي الديمقراطي، بالنظر إلى أن المجتمع المغربي، نسيج معقد التركيب، عبر تاريخه، مما يستلزم ادراكا نسقيا، تشكل الثقافة مدخلا أساسيا، وأداة معرفة وتنوير، لتوحيد تصور العلاقات الاجتماعية، في مشروع سياسي وسوسيوثقافي، يروم التغيير. وتفعيل الوضع الدستوري، للغة والثقافة الأمازيغيتين، وتبويئ الثقافة الحسانية، والروافد اليهودية، في الثقافة المغربية، المكانة المستحقة، لتعزيز الوحدة الوطنية، وإثراء المشروع المجتمعي، الديمقراطي، الحداثي.

وارتباطا بذلك تناقش الوثيقة إصلاح المنظومة التربوية كخيار تنموي استراتيجي، وتضعه في صلب الانشغال، ضمن المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي، وهوما يستلزم إعادة هيكلة جذرية، للمنظومة التربوية، تولي الاهتمام للطفل المغربي، في كل مراحل نموه النفسي، واكتمال شخصيته

وبالتدرج، ومن أجل تحصين أبعاد التماسك الاجتماعي، تلفت الوثيقة النظر إلى الحاجة الملحة لمواجهة التطرف والإرهاب ومهام فك الارتباط بين السياسة والدين، من منطلق أن الخلط بينهما، أي الدين والسياسة، يشكل مصدر إفساد للسياسة، وتبخيس للدين، وزج به في صراعات، حول مصالح مادية فئوية، وحول السلطة والحكم.

كما ترصد الوثيقة ضمن هذا المحور رهانات الوحدة المجتمعية في مواجهة تحديات العولمة، بالنظر إلى أن هيمنة وعولمة اقتصاد السوق، تشكلان تهديدا، فعليا للديمقراطية.

 وتؤكد الوثيقة على الترابط العضوي بين المؤسسة الملكية، كثابت، يؤطر الحياة الوطنية في مختلف ابعادها ومقومات الدفاع عن الوحدة الترابية والمصالح العليا للوطن.

والوثيقة في محورها الثاني، تقف على مقومات المجتمع الديمقراطي الحداثي المتضامن، من خلال الرهان على أن تحقيق التنمية البشرية، يستلزم ضرورة وضع الانسان في صلب السياسات العمومية، وإعادة النظر في الاختيارات الاقتصادية السائدة، من أجل تحقيق تنمية اقتصادية، قوية ومستدامة، وتوزيع اجتماعي ومجالي، أكثر عدالة للثروات، ومشاركة ديمقراطية، واسعة وحيوية، في إطار حقوق وواجبات مواطنة، معترف بها ومصانة.

 وتعبيد الطريق نحو الانتقال من مجتمع الدولة إلى دولة المجتمع، إذ لا جدوى لتنمية اقتصادية،  وطنية أو محلية،  لا تنجح في امتصاص العجز الاجتماعي، ولا تنعكس إيجابا، وبالملموس، على المعيش اليومي،  لأوسع فئات المواطنين،  وتسهل ولوجها لمختلف الخدمات الاجتماعية والإدارية؟ فلا تنمية ولا ديمقراطية، ما لم تكونا مشبعتين بإرادة سياسية، فعلية، تروم تحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وترسيخ مبدأ كون الديمقراطية وحقوق الإنسان نسقا كليا غير قابل للتجزيء، والحاجة إلى الاهتمام بمغاربة العالم، ضمن التصور العام لبناء مغرب متماسك، حداثي ومتضامن.

وتخصص الوثيقة المرجعية، محورها الثالث، لتشريح أعطاب تفعيل الدستور والاختيار الديمقراطي، والتي رتبت تحولات كارثية على المشهد السياسي الحزبي، وزادت من درجة تبخيس العمل السياسي والحزبي وساهمت في اتساع دائرة العزوف عن المشاركة في الانتخابات، ومن ثم الحاجة، إلى تعاقدات كبرى جديدة، بالنظر التراجع الذي سجلته الأحزاب، التقدمية الديمقراطية، على مستوى التأطير وريادة النضالات الشعبية، وعلى مستوى المبادرة السياسية، وتراجعاتها المتواترة، على مستوى التمثيلية، في المؤسسات المنتخبة.

وجبهة القوى الديمقراطية، بما هي حزب يساري، تقدمي وحداثي، فقد ركزت الوثيقة محورها الرابع، للحديث عن مقومات بناء الحزب اليساري الكبير، ومهام الفعل المتجدد لتحرير الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبالتالي فالسياق يستدعي، إعادة مساءلة الذات، كقوة يسارية. وهذه المساءلة تشترط، من غير شك، قاعدة انطلاق، بناء على الثوابت المرجعية ومقومات الهوية اليسارية، بوصفها مصدر كل تغيير ديمقراطي، ومدخلا إلى التربية على الديمقراطية التعددية، واستنادا إلى اخلاقيات ديمقراطية داخلية، تؤمن بالتمثيلية الحقة والتعددية الفعلية.

ولاستكمال البناء النسقي لهذا المحور، الرابع والأخير، من للوثيقة الجديدة، فقد تطرقت للحاجة إلى تعاقدات جديدة، وتناولت موضوع التحالفات الحزبية كمسألة مركزية، في أية استراتيجية حزبية، مع لفت النظر أن التحالفات لا تأخذ معناها، ولا تترجم التوجهات التعددية، في المجتمع، ما لم تنبن على أساس توجهات واختيارات سياسية.

وإجمالا، فقد جاءت الوثيقة عميقة في مقاربتها لمعطيات الوضع العام للبلاد في راهنيته، وبما تقتضيه شروط الطرح العلمي المتبصر، والوعي الفكري والسياسي الشامل والمتكامل والجريء، الفاحص والملم بخفايا وتفاصيل ما يعتمل في المجتمع، واضعا الأصبع على مكامن الاختلالات، التي أفرزت واقعا سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، وثقافيا، يحتاج إلى كثير من التصحيح والمراجعة، وإعادة البناء.

ولأول مرة تعري وثيقة مرجعية، عن حجم الخلل، في الإطارات والأدوات والمؤسسات والآليات والوسائط القائمة والمعتمدة، بين الدولة والمجتمع، وتطرح اتساع دائرة فقدان الثقة في المؤسسات الوسيطة كمعضلة للواقع السياسي والاجتماعي، وسؤال المصداقية، بما يقتضي من الدولة، جعل تحسين الوضع المعيشي والاجتماعي لشرائح المجتمع، المهمشة، ركنا عضويا، وبعدا أساسا، في مسار البناء الديمقراطي.

كما أن الوثيقة تدعو لاستعادة الثقة في الفكر، وتثمينه باعتباره الدليل الأول، إلى معرفة مكونات المعيش اليومي للمغاربة، وتؤكد على ضرورة استثمار الثقافات الجهوية والمحلية، والاهتمام بخصوصياتها، لملامسة الحس الوطني.

وثيقة تدعو لمعركة، شاملة للتأطير والتنوير، وفرض إشعاع القيم المناهضة، للعدمية والتيئيس والرجعية. وبالمقابل تفضح السياسة المتبعة، والتي فرضت أشكالا من التقشف،ضربت في الصميم النمو، الذي كان محتملا للاقتصاد، وخلقت إكراهات على أي انتعاش اقتصادي، ورهنت مستقبل البلاد بيد الصناديق الدولية.

كما رصدت الوثيقة الشعور العام بأن الحكومات المتعاقبة، منذ ما بعد حكومة التناوب، لا تشتغل لصالح الفئات الواسعة من الشعب.

وتحدثت الوثيقة صراحة على الأحزاب التقدمية الديمقراطية، في وضعها الحالي، صار أقرب إلى ما كان يسمى بالأحزاب الإدارية، ودخلت مرحلة تدجين ذاتي، في إشارة واضحة، إلى هجانة التحالفات، في الائتلافات الحكومية، مما يستلزم طرح سؤال المنظومة الحزبية، على الدولة، في الوقت ذاته وبنفس القدر، على مكونات المشهد الحزبي، لمعالجة اختلالات الذات.

وفي شأن الجهوية المتقدمة، أقرت الوثيقة ملحاحية إيلاء تعبيرات التعددية الثقافية واللغوية المحلية، في كل تمظهراتها، موقعها المستحق في البناء الفكري، للبرامج السياسية وأجرأتها، على أرض الواقع المجالي، لتفعيل هذا التعدد، في إغناء النموذج المغربي، للتنمية والديمقراطية.

 

 

  

 

    

 

 

 

 

الأكثر قراءة

To Top