رأي

مدفع رمضان بالجديدة، صدفة تحولت إلى احتفال راسخ

كتب نورس البريجة: خالد الخضري

1- آذان.. نفير.. مدفع.. دخان.. صياح.. تهاليل…
لمدينة “البريجة” أو “مازغان” .. “الجديدة” حاليا، سحر خاص في كافة الفصول والمناسبات والمواسم الشعبية بالخصوص التي توارثها سكانها جيل بعد جيل.. وضمنها إفطار بعض العائلات جماعيا بالشاطئ والتحلق حول مدفع رمضان إلى أن يطلق قذيفته معلنا عن حلول موعد الإفطار. فهذا المشهد والذي يعتبر بحق احتفالا يوميا تشهده عاصمة دكالة، لا تشرف عليه أية مؤسسة حكومية ولا خصوصية، باستثناء فرقة من القوات المسلحة الملكية وبعض رجال الأمن، الذين يرافقون كل مساء – قبيل الإفطار بلحظات – شاحنة عسكرية تجر مدفعا كبيرا توقفه خلف بناية البلدية بمحاذاة الشاطئ مولية فوهته نحو البحر.. فيتجمهر حوله عدد كبير من المتفرجين من كلا الجنسين وبأعمار مختلفة – لا سيما الأطفال – كما بعض الأجانب الذين لاحظت تكرار حضورهم لنفس المشهد وتصويره.. حيث بمجرد ما ينطلق آذان المغرب ممزوجا بصوت النفير (الزُّواكة) والتي يعود تاريخها إلى المرحلة الاستعمارية حيث لا تزال أبواق هذا النفير تعلو بناية المسرح. فبمجرد انطلاق هذا النفير بثواني معدودة، يتقدم جندي ليضغط على زر في المدفع فتنطلق قذيفته محدثة دويا قويا تعلو على إثره صيحات الاستحسان والبهجة وأحيانا التكبيرات والتهاليل، زائد الصلاة على النبي أو صياح أحدهم ببعض العبارات التي يطقها فرسان “التبوريدة” مثل: ((ها كا البارود…)).

كما تثير قوة الانفجار أحيانا منبهات إنذار بعض السيارات القريبة فنطلق تلقائيا، ليمتزج صوتها مع ما تبقى من صوت النفير.. مما يخلف أيضا دخانا كثيفا يغلف المشهد كله في غلالة ضبابية كثيفة لا تلبث أن تنقشع عن مشهد غروب رائع الشيء الذي يؤثث المشهد السمعي البصري بنكهة رمضانية رائعة.
نفس المدفع يعود ليطلق طلقتين في نفس الليلة هما طلقتا “السحور والإمساك” حيث تعلن أولاهما عن بداية وقت السحور في الثانية صباحا.. بينما تنبه الثانية إلى انتهائه حين آذان الفجر. وهاتان الطلقتان تسمعان بوضوح أكبر في المدينة نظرا لخلو الشوارع وقلة الحركة. فشخصيا وطيلة معظم أيام هذا الشهر الفضيل، أنزل للشاطئ قبل آذان المغرب بحوالي ساعة لممارسة بعض التمارين الرياضية الخفيفة أو لعب الكرة ثم السباحة، وهي أجمل رياضة وأشدها فائدة أصر على ممارستها مهما كانت أحوال الطقس.. ثم بفضل قنينة ماء كبيرة (بيدوزة) أجلبها معي في السيارة، أتناول دشا بالماء العذب في الشاطئ وأرتدي ملابسي ثم أصعد لمتابعة مشهد “مدفع رمضان” الرائع وأصوره فيديو ولقطات ثابتة في كل مرة أراه دون أن أمله !!
2 – – مدفع رمضان: رُبّ صدفة…
بالبحث في تاريخ هذه العادة الجميلة التي لا تزال تتبع في عدد كبير من المدن المغربية والعربية، تبين أنها لم تصدر بناء على فتوى فقهية ولا أمر بها أمير أو حاكم عربي وإنما ولدت عن طريق الصدفة فاستحسنها الناس وحافظوا عليها.
مدفع رمضان أسلوب يستخدم لإخبار العامة بحلول موعد الإفطار وفك الصوم في شهر رمضان حيث يقوم جيش البلد بإطلاق قذيفة مدفعية لحظة مغيب الشمس.. وهو تقليد متبع في العديد من الدول الإسلامية.. كما كان يلجأ إليه للتبشير بحلول عيد الفطر السعيد ولازال هذا التقليد ساريا حتى اليوم.
يذكر التاريخ أن المسلمين – في شهر رمضان – كانوا أيام الرسول (ص) يأكلون ويشربون من الغروب حتى وقت النوم.. وعندما بدأ استخدام الآذان اشتهر بلال بن رباح وابن أم مكتوم بجودة آذانهما. وقد حاول المسلمون على مدى التاريخ ومع زيادة الرقعة الإسلامية وانتشار الإسلام، أن يبتكروا وسائل مختلفة إلى جانب الآذان للإشارة إلى موعد الإفطار إلى أن ظهر المدفع إلى الوجود في القرن 15 الميلادي.
كانت القاهرة عاصمة مصر أول مدينة ينطلق فيها مدفع رمضان.. فعند غروب أول يوم من رمضان عام 865 هجرية (10يونيوه 1461 ميلادية) أراد السلطان المملوكي خشقدم أن يجرب مدفعا جديدا وصله، حيث صادف إطلاق الدفع وقت المغرب بالضبط، فظن معه  الناس أن السلطان تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطار قد حل. فخرجت جموع الأهالي إلى مقر الحكم تشكر السلطان على هذه البدعة الحسنة التي استحدثها!! وعندما رأى السلطان سرورهم  قرر المضي في إطلاق المدفع كل يوم إيذانًا بالإفطار ثم أضاف بعد ذلك مدفعي السحور والإمساك.
وهناك رواية تفيد بأن ظهور المدفع جاء عن طريق الصدفة، فلم تكن هناك نية مبيتة لاستخدامه لهذا الغرض على الإطلاق، حيث كان بعض الجنود في عهد الخديوي إسماعيل يقومون بتنظيف أحد المدافع، فانطلقت منه قذيفة دوت في سماء القاهرة، وتصادف أن كان ذلك وقت آذان المغرب في أحد أيام رمضان، فظن الناس أن الحكومة اتبعت تقليدًا جديدًا للإعلان عن موعد الإفطار، وصاروا يتحدثون بذلك. وقد علمت الحاجة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل بما حدث، فأعجبتها الفكرة، وأصدرت فرمانًا يفيد باستخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفى الأعياد الرسمية.
— 3   من مصر إلى العالم الإسلامي
بدأت الفكرة تنتشر في أقطار الشام أولا، القدس ودمشق ومدن الشام الأخرى ثم إلى بغداد في أواخر القرن 19 م.. وبعدها انتقلت إلى مدينة الكويت حيث جاء أول مدفع إليها في عهد الشيخ مبارك الصباح عام 1709. ثم انتقلت إلى كافة أقطار الخليج قبل بزوغ عصر النفط وكذلك اليمن والسودان وحتى دول غرب إفريقيا وشمالها ببلدان المغرب العربي وضمنها المغرب بطبيعة الحال.
وكانت أول المدن التي انطلق فيها مدفع رمضان هي فاس ومراكش لتليها بقية المدن وضمنها البريجة / الجديدة، إذ لا زلت أذكر أنني كنت أتابع هذه العادة منذ طفولتي المبكرة ، حين كان هناك مدفع قار فوق البرج المطل على الميناء، حيث كنت ومجموعة من أترابي الصغار نتجمهر حول المدفع إلى أن يطلق قذيفته لنطلق بعد ذلك العنان لسيقاننا النحيفة تسابق الريح نحو منازلنا لتناول طعام الإفطار الشهي – رغم أن معظمنا لم يكن الصيام قد حق عليه بعد – وذلك في حضرة وحنان الوالدين الجملين تغمدهما الله برحمته.. ووسط لمة عائلية رائعة تصدعت حاليا بفعل الشاشة وما تقدمه من برامج التبليد المغربية والضحك على ذقون المشاهدين لحد الإصابة بعسر الهضم .
لهذا سررت كثيرا بمشهد عدد من العائلات الجديدية التي كانت تحضر طعام إفطارها ومعظم أفرادها كبارا وصغارا لتفطر بالشاطئ على بعد خطوات من البحر. فغبطتها على ذوقها وشجاعتها في تناول فطور شهي.. نظيف وخال من شوائب التلفزيون بمختلف قنواته لاسيما المحلية والعواذي بالله.. الشيء الذي حفزني على تناول هذه الوجبة رفقة العائلة يوم السبت الماضي في جو شاطئي رائق بهوائه المنعش وأضوائه المتلألئة على صفحات موج البريجة، سأعود إليها – هي وممارسة الرياضة قبيل الإفطار في رمضان – قريبا إن شاء الله..
تقبل الله صيامكم وصلواتكم.. وكل عام وأنتم على موعد الإفطار مع “مدفع رمضان” بشاطئ البريجة الجميلة وفي مختلف مدن المملكة.

الأكثر قراءة

To Top