عبدالنبي مصلوحي

عاد المغرب إلى مقعده بعد 33 سنة من الفراق .. ما أجمل اللقاء بعد هذا العمر الطويل، لم تصمد المناورات وكافة العراقيل التي وضعها الخائفون من هذا الرجوع إلى الأسرة . لقد هزمهم الإصرار المغربي . خاضوا حربا حقيقية جربوا فيها كافة الوسائل غير المشروعة ، نوعوها بين إقحام المفوضية والبيروقراطية التي ما زالت لها أوكار دافئة في القارة الإفريقية ، وبين استغلال التعقيدات المسطرية التي تؤطر عمل الاتحاد .

جربوا كذلك خطة خلط الأوراق ، حين أوعزوا لدُماهم في تيندوف بمحاولة فتح جبهة الكركرات لاصطياد رد فعل معين للمملكة التي كانت أكثر حكمة في التعامل مع الموضوع ..

جارتنا الجزائر لم تيأس من زرع الألغام في طريق هذه العودة ، آخرها زرع رئيسها المقعد  إلى جانب القيادة الجديد للاتحاد الإفريقي ، لأنهم يعرفون جيدا في الجارة الشقيقة أن ألفا كوندي ، لن يكون كما قد يشتهي النظام الجزائري ومن يدور في فلكه من بعض الأنظمة القليلة التي ما زالت تتلقى تعاليمها من قبور الحرب الباردة ، فرأوا أن يضعوا إلى جانبه رئيسهم ، حتى تكون الطريق سالكة لمراقبة هذا الرئيس الجديد القادم من منطقة إفريقيا الغربية والوسطى الفرنكوفونية المعروفة بعلاقاتها الجيدة مع المغرب من جهة ، والمستعصية من جهة ثانية على التأثير الجزائري .

ستكد الجزائر وتتعب في حراسة الرئيس الجديد . وأكيد سيعهد بهذه المهمة إلى وزير خارجيتها رمطان لعمامرة نيابة عن الرئيس الذي ربما لا يدري بمنصبه القاري هذا . أضاعت على شعبها بهذه الحرب الباردة الكثير من فرص التقدم ، بذرت ملايير الدولارات التي جنتها من ارتفاع أسعار البترول ، فقط ليظل البوليساريو  على قيد الحياة في مواجهة المغرب .

ولكن المغرب الذي نجح في اختراق مواقف أنظمة كانت تعتبرها الجزائر حصنا للبوليساريو ، وحقق العودة إلى البيت الإفريقي ، لن يجد صعوبة في تحقيق رهانات ما بعد العودة ، لأنه ليس تاجر أوهام أو سمسار جماعات انفصالية كما هو الشأن لنظام المرادية ، وإنما هو بلد واقعي وإستراتيجيته في علاقاته مع الأشقاء الأفارقة تقوم على الانفتاح والبراغماتية…يعني رابح ـ رابح…وهو ما تحتاجه إفريقيا اليوم ، لتكون في مستوى المسؤولية التاريخية التي تقتضي ضمن ما تقتضيه تحقيق الحياة الكريمة لشعوبها التي يموت منها اليوم المئات في عرض البحر الأبيض المتوسط هروبا من المجاعات والحروب التي تذكيها الجماعات والأنظمة التي لم تتعاف بعد من أمراض الحرب الباردة.

إفريقيا الجديدة، يحكمها جيل جديد من القادة المتحررين من العقد ، كما قال جلالة الملك في خطاب العودة بأديس أبابا . أكيد هم في حاجة إلى المغرب ، لأنه يقرأ جيدا وبواقعية تحديات القارة في زمن تبادلت فيه السياسة والاقتصاد الأدوار.. فما أجملها عودة ، وما أجمله حلم مع الأشقاء تحت نفس السقف الذي بناه الآباء ويسيجه الأبناء.. !