الرئيسية » الرئيسية » في حوار على هامش اختتام المناظرة الوطنية الثالثة حول الجبايات *الدكتور المصطفى بنعلي الأمين العام لجبهة القوى الديمقراطية يصرح بأن نتائج المناظرة تم تسقيفها منذ البداية.

في حوار على هامش اختتام المناظرة الوطنية الثالثة حول الجبايات *الدكتور المصطفى بنعلي الأمين العام لجبهة القوى الديمقراطية يصرح بأن نتائج المناظرة تم تسقيفها منذ البداية.

مواكبة منها لأشغال المناظرة الوطنية حول الجبايات في نسختها الثالثة، استضافت جريدة المنعطف، بنسختيها الورقية والإلكترونية، الدكتور المصطفى بنعلي الأمين العام لجبهة القوى الديمقراطية، كواحد من الفعاليات السياسية، التي حضرت وتابعت ميدانيا سير الأشغال، على مدار اليومين اللذان احتضنا المناظرة، مباشرة بعد اختتامها.

 وتركز الحوار التالي، حول تقييم أشغال المناظرة، والوقوف على نتائجها وتقييم توصياتها، من منظور الحزب، ومدى إجاباتها على مختلف الإشكالات الضريبية، وبشكل خاص الإشكالات المتعلقة بالنموذج التنموي الجديد، الذي لم يتم تحديد معالمه بعد.

كما طرح الحوار تساؤلات حول الانتظارات من الإصلاح الضريبي، ومدى استجابة محطة المناظرة لتطلعات جبهة القوى الديمقراطية كحزب وكحساسية مجتمعية، وإلى أي حد يمكن أن يكون الإصلاح الضريبي وحده كفيلا ببعث روح المواطنة الضريبية.

//أجرى الحوار عبد الرحيم بنشريف//

سؤال: اختتمت قبل قليل المناظرة الوطنية الثالثة حول الجبايات، أنتم في جبهة القوى الديمقراطية، ومن خلال حضوركم فعاليات هذه المناظرة على مدار اليومين، هل تعتبرون بأنها قدمت الإجابات المنتظرة منها؟

جواب: مسألة التقييم في عمومها لا تحتمل أجوبة قطعية، فهذه المناظرة هي الثالثة من نوعها، بعد أن نظم المغرب مناظرتي 1999 و2013، وأكيد أن هناك تطور فيما يتعلق بشكل المناظرة ومضمونها. ما يمكن استخلاصه انطلاقا من جلسات هذه المناظرة، بحضورها الوازن، ومداخلاتها القيمة، أن هناك رهانات كبيرة طرحت عليها، ترتبط في عمومها بمحاور جعل الضريبة محفزا للنمو المستديم، والمنتج للقيمة المضافة ولفرص الشغل، وبضمان العدالة الجبائية، وتبسيط مساطر الضريبة للرفع من فعاليتها وشفافيتها…

طبعا هذه الأهداف والرهانات ليست تقنية محضة، ولذلك فالحضور المتنوع في هذه التظاهرة وتنوع المتدخلين في جلساتها يؤكد الوعي الحاصل لدى المنظمين بضرورة البحث على ذلك التوازن المفقود في العلاقة مع الملزمين، فالضريبة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية تجعل الملزم في بؤرة التفكير، والتربية في مختلف أبعادها ضرورية لانخراط أوسع الشرائح الاجتماعية في تأدية الضريبة، خصوصا إذا أحس المواطن بجدوى تأدية الضريبة، من خلال تحسن الخدمات العمومية للدولة.

سؤال: إجابات المناظرة على مختلف الإشكاليات الضريبية تلخصت في توصياتها، كيف تقيمون في جبهة القوى الديمقراطية هذه التوصيات؟

جواب: هذا ما كنت أحاول الوصول إليه، فتقييم أشغال ونتائج المناظرة، يختلف باختلاف المواقع، وبالتالي المصالح. فنحن في جبهة القوى الديمقراطية، كحساسية سياسية يسارية، سرنا كثيرا أن تنعقد هذه المناظرة تحت شعار “العدالة الجبائية”، فالعدالة الجبائية هي مدخل من مداخل العدالة الاجتماعية التي ننشدها.

لكن فهمنا للعدالة الاجتماعية سيظل في نظرنا أكثر شمولية، فالعدالة التي تم الحديث عنها في المناظرة ترتبط في أقصى الحدود بالحصول على نتائج النمو المنجز بقدر المؤهلات التي يتوفر عليها كل مواطن، وبالتالي تأدية الضرائب بقدر المداخيل التي حققها، لكننا نحن نعتبر أن مفهوم العدالة أكثر شمولية من ذلك، حيث يتسع ليشمل الفرص التي يحصل عليها كل مواطن في تكوين مؤهلاته، فزيادة سنة واحدة من التكوين تساوي زيادة بنسبة 8 %  في الدخل، وهذا الفهم يجعلنا نعتبر أن نتائج المناظرة تم تسقيفها منذ البداية، خصوصا وأن المنظمين كانوا حريصين على وضع سقف آخر للمناظرة يرتبط بجعل الإصلاحات المنتظرة في المجال الضريبي رهينة بتقوية التوازنات الماكرو اقتصادية والحفاظ عليها…

سؤال: هل معناه أن الجرأة غابت عن المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات؟

جواب: لا ليس هذا المقصود. ما أود أن اشير إليه أن التوصيات في حدودها المبدئية لا يمكن الاختلاف عليها، فالحرص على التزام الدولة باحترام الجميع للقانون، واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية للملزمين، وترسيخ مساواة الجميع أمام الضريبة، وتحقيق الانصاف الضريبي كلها توصيات لا يمكن أن يتناطح عليها كبشان كما يقال. لكن الشيطان يكمن في التفاصيل فالتدابير التقنية المتوخاة لتطبيق هذه المبادئ العامة هي المشكلة، وهي التي ستضمن التصريف العملي لمضمون توصيات هذه المناظرة.

فالمناظرة تستهدف بناء قانون إطار يؤطر مرحلة طويلة نسبيا، تمتد ما بين 5 و10 سنوات، ما يجعل قوانين المالية المقبلة تعمل على التطبيق السنوي التدريجي لمخرجات هذه المناظرة. وذلك في إطار تصور نموذج تنموي جديد.

سؤال: كيف يمكن للمناظرة الحالية أن تجيب على الإشكالات المتعلقة بالنموذج التنموي الجديد الذي لم يتم تحديد معالمه بعد؟

جواب: صحيح أن النموذج التنموي البديل لم يتم بناؤه بعد، لكن الحاصل أن هناك إجماع وطني، منذ الدعوة الملكية للتفكير في هذا النموذج، حول الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها. وذلك بالنظر إلى المؤشرات التي ترسخ لقناعة تامة بكون النموذج القائم بلغ مداه.

فبمفهوم المخالفة يتعين على النموذج التنموي المأمول أن يتجاوز إشكاليات عدم بلوغ النمو لمستوى كفيل بحل المشاكل التي يعيشها المغرب والمغاربة، وفي مقدمتها مشكلة العطالة في أوساط الشباب، الحامل منهم للشواهد العليا أساسا، ثم ضمان حصول المغاربة على ثمار النمو بقدر ما يساهمون في تحقيقه وإنجازه…

طبعا كما لا يغيب عنا أن الدعوة الملكية أكدت على الأخذ بعين الاعتبار للرأسمال اللامادي الذي تزخر به البلاد والذي يتكون من ثلاث عناصر مهمة ترتبط بالمكون البشري والمكون المؤسساتي والمكون الاجتماعي.

فهذه العناصر تجعل من المناظرة الثالثة على فرض سبقها الزمنى لتحديد معالم النموذج التنموي البديل قادرة على المساهمة في بناء هذا النموذج والعمل ضمن فلسفته ورؤيته العامة على المساهمة في الزيادة وتحفيز النمو وضمان العدالة في الاستفادة من ثماره، سواء فيما يتعلق بالأفراد أو الجماعات أو الجهات.

سؤال: هل يمكن القول إن النظام الضريبي المغربي بلغ هو الآخر مداه؟

جواب: لم يعد خافيا أن هناك اختلالات واضحة في النظام الضريبي المغربي، فالضغط الضريبي جد مرتفع في بلادنا، وإذا كان ارتفاع الضغط الضريبي يعد من سمات الأنظمة الضريبية المتقدمة، فإنه بمجرد الدخول في بعض التفاصيل يتوضح أن نسبة 22%   التي بلغها الضغط الضريبي جد مرتفعة، اعتبارا لوجود إعفاءات وأشخاص وشركات لا يؤدون الضريبة…

فكون 01% أو أقل من الشركات تؤدي 80% من الضريبة على الشركات يؤشر على وجود خليل كبير، كما أن كون 60% من الضريبة على الدخل تأتي عبر الاقتطاعات من الأجور يعزز قناعة وجود اختلالات، ومع ذلك لا أعتقد شخصيا بأن النظام الضريبي قد بلغ مداه…

صحيح أن النظام الجبائي، إضافة إلى ما سبق، غير مستقر، وفيه تغييرات سنوية كبيرة، لا تساعد على وضوح الرؤية بالنسبة للمستثمرين والملزمين، وصحيح كذلك أن النظام معقد وغير متوازن. لكن سيكون من غير المنصف أن نقول بأن هذا النظام بلغ مداه.. كل ما في الأمر أن هناك إصلاحات ضرورية ومستعجلة خصوصا فيما يتعلق بتخفيض معدلات الضريبة وتوسيع الوعاء الضريبي مع تبسيط المساطر، وخلق التوازن بين تضريب العمل وتضريب رأس المال، وكذا خلق الانسجام والتكامل بين الضرائب الوطنية والجبايات المحلية، فعلى الرغم من تقليص الرسوم المحلية إلى حدود 27 رسما، فهذه الرسوم لازالت تثير الامتعاض لدى الملزمين، بالنظر إلى طريقة احتسابها وتحصيلها وتداخلها مع ضرائب أخرى.

سؤال: ماذا ينتظر من الإصلاح الضريبي إذن؟

جواب: سبق أن قلت لك أن المتوخى من الإصلاح أن يتكيف مع تطور اقتصادنا ومجتمعنا، ويأخذ في الاعتبار التغيرات الحالية والمستقبلية لما يعيشه المغرب، في محيطه وسياقه. نحن نتطلع لأن تباشر الدولة إصلاحا جريئا قائما على المبادئ الدستورية المرتبطة بالمساواة والشفافية والمسؤولية والتضامن والعدالة والإنصاف.

طبعا هذا الإصلاح يجب أن يندرج ضمن رزمة من الإصلاحات والتدابير حتى لا ينطبق علينا المثل المغربي الشعبي ” يكب الما في الرملة”. فنحن مثلا لا نفهم كيف أن ارتفاع الموارد الجبائية خلال السنوات الأخيرة لم يؤثر في الارتفاع المتزايد للمديونية العمومية، التي بلغت حدا لا يطاق، كما أن ارتفاع الأسعار بفعل الزيادة في الضرائب، خصوصا الضريبة على الاستهلاك، على الرغم من التقشف في النفقات العمومية الموجهة لدعم الاستهلاك لم تحل مشكل ضعف موارد الميزانية… ما أريد الوصول إليه أن الإصلاح الجبائي يجب أن يكون ضمن مجموعة متكاملة من التدابير الهادفة إلى تحفيز النمو المنتج للقيمة المضافة ولفرص الشغل، وإلى إقرار عدالة محسوسة بين الفئات والمجالات.

سؤال: هل استجابت هذه المحطة لتطلعاتكم كحزب وكحساسية مجتمعية؟

جواب: يقيم حزبنا اعتبارا كبيرا لقيم التعددية والحوار والتشاركية، وهو ما يجعلنا نطالب بضرورة سلك منهج الحوار في معالجة مشاكل المغرب، خصوصا تلك التي ترهن مستقبله. والحوار هو ما نسلكه في بناء تصوراتنا لعدد من القضايا، كما هو الأمر لإعداد تصورنا للنموذج التنموي، وغيره.. لذلك فنحن نشيد حقيقة بمناخ الحوار الصريح والمفتوح والتشاركي الذي أطر الأعمال التحضيرية لهذه المناظرة، وهو نفس المناخ الذي ساد خلال جلسات المناظرة بالصخيرات وما تخللها من مناقشات.

وفيما يتعلق بالمخرجات فنحن في جبهة القوى الديمقراطية نؤمن بالتدرج، ولذلك لم نكن نتصور أن تذهب التوصيات، على الرغم من منسوب الجرأة الكبير الذي عرفته بعض التدخلات في كشف اختلالات النظام الضريبي، إلى حد أعلى من الذي بلغته في ختام هذه المناظرة، وحتى أن جزء كبير من هذه التوصيات تضمنتها الورقة التي أعدتها اللجنة التي شكلتها الأمانة العامة لإعداد تصور الحزب في الموضوع.

لكن يبقى المهم، بالنسبة لنا، هو أن يتم تنزيل وتنفيذ هذه التوصيات لإصلاح النظام الجبائي ببلادنا وفق منظور شمولي منسجم مع السياسات العمومية الأخرى، ويشترك معها في تحفيز الابتكار وخلق القيمة المضافة ويحارب الريع والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، بما يشجع على استعادة روح المواطنة الضريبية، وجو التعبئة الوطنية.

سؤال: هل تعتبرون بأن الإصلاح الضريبي وحده كفيل ببعث روح المواطنة الضريبية؟

جواب: في الحقيقة يرتبط وجود روح المواطنة الضريبية من غيابها بعوامل كثيرة اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، والواقع أن المغاربة لا يقبلون على أداء الضريبة بشغف كما يفعل مواطنو دول نعرفها. والسبب في ذلك لا يتجسد في عدم عدالة وشفافية وفعالية وتوازن واستقرار النظام الجبائي القائم، حتى نقول بأن إصلاح هذا النظام كفيل بتحبيب المغاربة في الضريبة والتعامل بتلقائية مع الإدارة الضريبية. فالمغاربة لا يحسون بمقابل ما يؤدون من ضرائب، وهم غير راضون في عمومهم على الخدمات العمومية التي من أساسها وجدت الضريبة. لذلك يتعين العمل على جوانب أخرى لاستعادة مقومات المواطنة الضريبية، وأول ما يجب العمل عليه، إلى جانب الإصلاحات الضرورية، إدماج الضريبة في التربية والتعليم.

 

 

 

%d مدونون معجبون بهذه: