الرئيسية » ثقافة » في الغرفة المضيئة..

في الغرفة المضيئة..

كتب: كريم الفحل الشرقاوي

 

كان الشاعر حسن نجمي يتصبب قصائدا… وكانت القصائد تغزل طول الوقت أكفانا قزحية .. ناصبة لشعرية الموت سرادقات من نبض الحروف و فيض الكلمات … و كأن الشاعر يصر إصرارا عاتيا على الاحتفال ببهاء الموت بكل زلزلته و جبروته و قهره .. بكل حرقته ولوعته وهزاته .. محولا قصائده إلى مرثيات باذخة تستحضر أرواح شاعرات و شعراء بقي منهم في ذاكرته ووجدانه شيء من حتى … أو شيء من عشق مكنون … أو شيء من فقدان مكلوم … أو بعض من وسواس قهري صاخب لهزم أزلية الغياب بمحاكاة الإله راع وهو يمارس طقوس البعث .. بعث روح شاعر صديق اقتنصه الموت سهوا… كما هو الحال بالنسبة للشاعر الهندي الكبير الذي حج إلى أرض النيل لقراءة قصائده فغرقت سيارته في مياهه … أو بعث روح شاعر إضطهدته مليشيات التطهير الإيديولوجي … كما هو الحال بالنسبة للشاعرتين الروسيتين ” أنا اخمانوفا ” ضحية العهد الستاليني و أيقونة الشعر الروسي و صاحبة ” قداس جنائزي ” إحدى أشهر القصائد في القرن العشرين . و الشاعرة الرومانسية “مارينا تسفيتاييفا ” التي اختارت ذات ليلة صقيعية أن تيتم قصائدها و تلف حبلا حول عنقها الجميل … احتجاجا على بشاعة الاضطهاد الذي تعرضت له هي وعائلتها الأرستقراطية في الحقبة السوفياتية . فتحول قبرها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى ضريح رمزي يحج إليه الشعراء و الشاعرات من كل فج عميق .

غير أن القصيدة التي هزت مشاعر الحضور و فجرت مآقي الحاضرات … هي القصيدة التي تلبس فيها الشاعر شخصية الأم الثكلى … مستحضرا كل انشطارات الحزن و انكسارات الفجيعة التي ألمت بأم صديقه الشاعر الراحل سعيد إسماعيلي … محولا وجعها المكلوم إلى بوح شعري يستقطر صبيب الفجيعة استقطارا … ويعتصر ألم الفقدان اعتصارا … وينثر رماده فوق رؤوسنا مدرارا … فأجهشت القاعة و اصطفت ظلال الحزن اصطفافا…. إلا أن الشاعر حسن نجمي سارع في ختام الامسية الشعرية إلى قراءة قصيدة غزلية في مدح شفاه النجمة السينمائية ” أنجلينا جولي ” معيدا روح الابتسامة و الدعابة إلى القاعة الثكلى .

تلكم كانت ومضات من أمسية شعرية لا تنسى بعنوان ” في الغرفة المضيئة ” احتفت بالشاعر و الروائي الأستاذ حسن نجمي .. والتي نظمها بيت الشعر بالمغرب برواق مؤسسة صندوق الإيداع و التدبير بالرباط .

%d مدونون معجبون بهذه: