الرئيسية » غير مصنف » عبد المنعم لزعر (*)- الجهوية هي فرصة لبناء موازين قوى جديدة بالنسبة للفاعلين المحليين

عبد المنعم لزعر (*)- الجهوية هي فرصة لبناء موازين قوى جديدة بالنسبة للفاعلين المحليين

– الجهوية هي فرصة لبناء موازين قوى جديدة بالنسبة للفاعلين المحليين
– رهان الدولة الأول من إطلاق ورش الجهوية الموسعة هو تحديث ودمقرطة هياكل الدولة واعادة توزيع سلط وإمكانيات المركز على الجهات

يقوم الباحث المغربي في العلوم السياسية و القانون الدستوري، الأستاذ عبد المنعم لزعر في هذا الحوار الذي أجرته معه المنعطف بتفكيك وتحليل عميقين لورش الجهوية الذي قرر المغرب الانخراط فيه، حيث وقف عند كثير من التفاصيل القانونية التي تؤطر البعد المفاهيمي للجهوية، والرهانات المرتبطة بها، من جانب الدولة التى ترى فيها آلية حكماتية لإعادة توزيع السلط و إمكانات المركز على الجهات، من جهة، و توسيع المجال من جهة ثانية للشراكات بين الجهات وتمكينها من فرص أفضل للانخراط في التنمية المستدامة و المساهمة في حل المعضلات الاجتماعية، من قبيل التشغيل، ومن جانب باقي الفاعلين الذين يرون في الجهوية فرصة لإعادة بناء قوى موازين محلية جديدة، في مجالات السياسة، الاقتصاد… مثلما يشرح الأستاذ لزعر ويحلل جملة من القضابا الأخرى القانونية والدستورية المرتبطة بالجماعات الترابية…نتابع الجزء الأول من الحوار:
حاوره: عبدالنبي مصلوحي
……………….

*أدرجت وزارة الداخلية مجموعة من التعديلات على القانون التنظيمي للجهوية…من جملتها تعديل يسمح للولاة بالقيام مقام رؤساء الجهات في حالات معينة…ما رأيك؟
** يجب التأكيد في هذا المقام أن مشروع القانون التنظيمي رقم 14.111 المتعلق بالجهات لم يكن محط إجماع كافة الفاعلين المؤسساتيين والحزبيين سواء بالصيغة التي عرض بها على الاحزاب السياسية بين شهري يونيو وشتنبر 2014 أو بالصيغة التي عرض بها كمشروع على مجلس النواب، والدليل هو انسحاب فرق المعارضة من أول جلسة عقدتها لجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب بتاريخ 09 مارس 2015، ومن أجل تقريب وجهات النظر بين وزارة الداخلية والمعارضة تم اعتماد العديد من التعديلات سواء في مرحلة ما قبل إحالة نص المشروع على مجلس النواب أو في مرحلة المناقشة بلجنة الداخلية.
أعود إلى سؤالك وأقول بأن الصيغة المعتمدة في المادة 77 من مشروع القانون التنظيمي الخاص بالجهات، والتي تجيز للوالي الحلول محل رئيس الجهة في حالة توقيف أو حل مجلس الجهة أو استقالة نصف عدد أعضاء الجهة وغيرها من الحالات….هي صيغة منقولة عن المادة 22 من القانون رقم 74.96 المتعلق بالتنظيم الجهوي التي كانت تسمح للجنة خاصة مكونة من سبعة أعضاء من بينها الكاتب العام للجهة للحلول محل رئيس الجهة في حالات معينة، الجديد بخصوص المادة 77 هو تقليص عدد أعضاء اللجنة من 07 الى 05 أعضاء ومنح رئاسة اللجنة للوالي بدل مسطرة تعيين رئيس اللجنة من أحد اعضائها بناء على اقتراحهم كما كان منصوصا عليه في المادة 22 من القانون الخاص بالتنظيم الجهوي الصادر سنة 1997.
هذه الصيغة في تنزيل مسطرة الحلول أثارت نقاشا حقيقيا داخل لجنة الداخلية بمجلس النواب، من الناحية المبدئية فإن ضمان استمرارية المرفق العمومي مسألة لا نقاش فيها، لكن في هذه الحالة نحن أمام مؤسسة دستورية وهي الجهة، مؤسسة قائمة على أساس مبدأي الاختيار الديمقراطي والتدبير الحر لشؤونها…ويجب في النهاية أن يكون هناك مسؤول واحد يقدم الحساب عبر آلية التصويت بعد انتهاء ولاية الانتداب، كيف يمكن التوفيق بين ضرورة استمرار المرفق في حالة حل مجلس الجهة أو توقيفه أو استقالة اعضائه وبين حماية الفلسفة العامة التي يتأسس عليها التنظيم الجهوي وهي الاختيار الديمقراطي؟ هذا هو السؤال الذي كان يجب أن يستحضره المشرع وهو يناقش مضمون المادة 77.

*ما هي الرهانات المعلقة على الجهوية؟
** الجهوية كورش جديد، يظل مشبعا بالرهانات، سواء تعلق الأمر برهانات الدولة أو برهانات باقي الفاعلين، فكما جاء في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب بتاريخ 20 غشت 2011 فإن رهان الدولة الأول من إطلاق ورش الجهوية الموسعة هو “تحديث ودمقرطة هياكل الدولة” و”اعادة توزيع سلط وإمكانيات المركز على الجهات”، وقد تم اقتراح عدد من الاليات لتحقيق هذا الرهان، من قبيل اعتماد آليات التدبير الحر، والحكامة الجيدة والشراكة بين المركز والمحيط من جهة وبين المحيط والمحيط من جهة أخرى. وبصيغة اخرى رهان الدولة يتمثل اولا وأخيرا في دمج الجهة في منظومة الحكم المركزي بمعناه التنظيمي والسوسيولوجي، كشريك في القرار وكمساهم في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية. تحقيق هذا الرهان قد يتقاطع وقد يختلف مع رهانات باقي الفاعلين. فقراءة فحوى المذكرات الحزبية الموجهة الى اللجنة الاستشارية حول الجهوية الموسعة يكشف وحدة الرهانات وإن اختلفت التعبيرات. اما خارج الحقل الحزبي فيمكن القول بأن الجهوية هي فرصة لتثمير فرص عمل جديدة بالنسبة للعاطلين عن العمل محليا، وهي فرصة لبناء موازين قوى جديدة بالنسبة للفاعلين المحليين، وهي فرصة للمقاولات الجهوية لتجاوز أزماتها المالية والاقتصادية…
*إلى أي حد يمكن التعويل على النظام الجهوي لحل المشاكل والمعضلات الاقتصادية والاجتماعية؟
** قراءة النصوص لا يمكنها لوحدها أن تصيغ لنا نظرة علمية حول قدرة النظام الجهوى المقترح على حل المشاكل العميقة المتراكمة جهويا، خاصة في ما يتعلق بتقليص الفوارق الاقتصادية بين الجهات، لأن مشكل الجهات أعمق من تغيير نص قانوني بآخر، صحيح أن هناك مؤشرات يحملها القانون التنظيمي الخاص بالجهات، خاصة في ما يتعلق بحجم السلطة المتنازل عنها للجهة، وبمساحات تحرك الفاعل المحلي، والامكانيات المادية المرصودة لهذا الورش، لكن مع ذلك، هذا النص لا يقدم لنا بطاقة سوسيولوجية كاملة حول طبيعة النخب التي ستفرزها الانتخابات الجهوية، ومدى كفاءتها واستقلاليتها وقدرتها على فهم وقراءة الواقع الاجتماعي والاقتصادي المعقد للجهة.
*يمنع الدستور إنشاء الأحزاب السياسية الجهوية…في وقت يسير المغرب نحو التأسيس للنظام الجهوي…ألا يبدو لكم أن في الأمر ما يدعو إلى الحديث عن وجود تناقض؟
**يجب الإشارة بداية إلى وجود مبدأ مركزي ظل يضبط حركية جل الدساتير المغربية المتعاقبة ألا وهو مبدأ وحدة السلطة ومركزيتها، هذا المبدأ هو الذي يضبط مضمون وحركية كل السلط والمؤسسات والمجالات سواء على المستوى الأفقي أو على المستوى العمودي، ترى معي أن الدستور يتحدث عن مبدأ الفصل بين السلط الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، لكن عندما نقارب مضمون هذه السلط من زاوية اختصاصات المؤسسة الملكية فإن هذا المبدأ يتوارى لصالح مبدأ مركزية السلطة، نفس الشيء نعاينه على مستوى العلاقة بين المجالين الوطني والمحلي، فإن التمايز بين المجالين يتحرك بالموازاة مع مبدأ وحدة الدولة والمجال، وكذلك الأمر بالنسبة لآليات تدبير الفعل الحزبي بالمغرب، فالتعددية المرعية على مستوى الوثيقة الدستورية لا يمكنها أن تتحول الى أحادية حزبية، بمعنى حكم الحزب الواحد، ولا يمكنها في ذات الوقت أن تتحول الى تعددية جهوية، لأن نموذج الجهوية المطروح هو فقط نمط جديد للتدبير المحلي بصيغ قانونية جديدة رهانه الأول هو تجويد الفعل المحلي، وليست نمطا جديدا للحكم المحلي أو الذاتي.
من هنا يمكن القول بأنه لا يوجد تناقض بين مسلسل تنزيل الجهوية الموسعة وبين منع تأسيس الأحزاب الجهوية، لماذا؟ لأن مرجعية الجهوية الموسعة وقاعدة منع تأسيس الاحزاب الجهوية هي واحدة وهي الوثيقة الدستورية.
*كتبت مؤخرا بأن تحويل متلمس الرقابة إلى ملتمس تقديم الاستقالة خرق فاضح للدستور…كيف ذلك ؟
** نعم كتبت هذا بمناسبة تعليقي على مقتضيات المادة 70 من مشروع القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات كما تم اعتماده من طرف مجلس النواب ومجلس المستشارين. الصيغة الأولى التي أحالتها الحكومة على مجلس النواب كانت تنص على أنه يمكن لنصف أعضاء المجلس بعد انصرام السنة الثالثة من مدة انتداب المجلس، تقديم طلب لإقالة الرئيس من مهامه كرئيس للمجلس الجماعي، حيث يؤدي تفعيل هذه المسطرة إلى إقالة الرئيس بشكل تلقائي من مهامه الرئاسية بعد قبول الطلب طبعا بتصويت ثلثي أعضاء المجلس، وقد أثارت هذه الصيغة اعتراضات أعضاء لجنة الداخلية بمجلس النواب بمناسبة مناقشة هذا المشروع، وهي الاعتراضات التي تذكرنا بالنقاشات التي أثيرت حول الموضوع من طرف بعض الفاعلين بعد الإفراج عن المسودة الأولى لمشروع القانون التنظيمي الخاص بالجماعات.
وقد تسببت هذه الاعتراضات في رفع أشغال لجنة الداخلية بمجلس النواب أكثر من مرة، بحجة أن العودة إلى العمل بمسطرة ملتمس الرقابة على مستوى المجالس الجماعية يشكل تهديدا لاستقرار هذه المجالس، ليتم في النهاية التصويت على صيغة غريبة في نظري، مفادها أنه يمكن لثلثي أعضاء المجلس الجماعي تقديم ملتمس مطالبة الرئيس بالاستقالة…وإذا رفض الرئيس تقديم استقالته، يمكن لأعضاء المجلس التصويت على مقرر بأغلبية ثلاثة أرباع أعضاء المجلس لإحالة ملف الرئيس إلى القضاء لتفعيل مسطرة العزل في حقه.
من وجهة نظري فإن تحويل ملتمس الرقابة إلى ملتمس تقديم الاستقالة، فيه مخالفة صريحة لروح ومضمون دستور 2011، لماذا؟ لأن الأصل في الاستقالة كما هو متعارف عليه، أنها قرار فردي واختيار حر، لا يجب أن تكون صادرة عن ضغوط أو ملتمسات قانونية، كما أن الدستور واضح في هذا الشأن حيث يشدد على أن أهم أساس يرتكز عليه التنظيم الترابي هو مبدأ التدبير الحر. كما أن تشديد مسطرة عزل الرئيس بتصويت ثلاثة ارباع اعضاء المجلس يتنافى بدوره مع مبدأ دستوري آخر وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة.
قبل غلق هذا القوس يجب الإشارة إلى أن المشرع لم يعتمد صيغة موحدة لمسطرة محاسبة الرئيس على مستوى كافة القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية، فمقابل ملتمس تقديم الاستقالة المنصوص عليه في مشروع القانون التنظيمي الخاص بالجماعات، يلاحظ أن المشرع احتفظ بملتمس الرقابة في نص مشروع القانون التنظيمي الخاص بالجهات ونص مشروع القانون التنظيمي الخاص بالعمالات والأقاليم، وهو ما يؤكد قوة الضغوط التي مورست على المشرع للاستجابة إلى مقترحات تحويل ملتمس الرقابة إلى ملتمس تقديم الاستقالة على مستوى المجالس الجماعية.
(*) باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري

%d مدونون معجبون بهذه: