الرئيسية » غير مصنف » “زمن الشعوب” سيرة مبدع من زماننا

“زمن الشعوب” سيرة مبدع من زماننا

الجزأ الاول “خربة زمران” عباس فراق هذا الإسم السينمائي و المسرحي و الادبي الذي راكم سنوات من العطاء في مختلف مجالات الإبداع. يفتح قلبه و دفتر يومياته و ذاكرته لقراء المنعطف من خلال كتابه “زمن السعوب” الذي هو وجه آخر لسيرة ذاتية تقاطع فيها العام و الخاص، حتى إختلطت لحظاته، فحياة المبدع ليست ملكا له بل هي ملك للأخرين الشركاء في الحياة التي من أجلها أبدع و أعطى عصارة جهده الفكري. إذا تشرع جريدة المنعطف في نشر الجزء الأول من السيرة الذاتية للمناضل والكاتب والسينمائي عباس فراق ابراهيم والتي ركز في جزئها الاول على مرحلة “خربة زمران” كمحطة أولى في سيرته الشاملة ” زمن الشعوب ” ويتناول الكتاب من خلال مسار حياة المؤلف التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال خمسينيات القرن الماضي وأهم المحطات التي شكلتها الأحداث الاجتماعية والسياسية التي شغلت الرأي العام واحتلت الذاكرة الجماعية للشعب المغربي. الحلقة الرابعة. لم يكن لعلال العسكري وزوجته محجوبة أبناء, رغم أن هذه الأخيرة فعلت المستحيل من أجل الإنجاب و التهمت كل الوصفات التقليدية المعروفة وخضعت لحصص متعددة لعملية لكديرة وهي عملية تدليك أسفل البطن بواسطة قدر صغير. كانت الوضعية المادية لعلال وزوجته أفضل بكثير من الأوضاع المزرية لباقي الجيران. كانت غرفتهما مزينة بعدة صور إحداهن لعلال وهو يرتدي البذلة العسكرية الفرنسية وعلى صدره عدة أوسمة. وبجانبها لوحة لسيدنا علي ابن أبي طالب يمتطي صهوة جواده ويقاتل رأس الغول, وأخرى لسيدنا سليمان المحاط بجماعة من الجن يحملون الفؤوس ولهم أرجل البغال وعلى رؤوسهم قرون وهو ما كان يرعبني ليلا كلما تذكرتهم وأنا صبي صغير أسبح في عالم الخيال الطفو لي…لكن الصورة الأكثر أهمية في هذه الغرفة كانت بدون شك صورة من الحجم الكبير في إطار مزخرف للملك محمد الخامس. ولم تكن معلقة كباقي الصور بل وضعت أرضا وهي متكئة على الحائط في مستوى الفراش وكأن محمد الخامس جالس مع الحضور. كانت محجوبة تدعو نساء الخربة أحيانا لتناول الشاي بغرفتها فتقدم لهن صحن اللوز والكركاع والتمر . ولما يصل الحديث أوجه تشرع في ممارسة طقوس تعبر من خلالها عن حبها للملك المنفي إلى جزيرة مدغشقر, فترفع كأس الشاي بيدها اليمنى وتكلم به الحلقة الذهبية المتدلية من أدنها قائلة: ـ هذا كاسك أسيدي محمد !.. فقد قامت سلطات الحماية الفرنسية بنفي الملك محمد الخامس وخلفته بأحد أبناء عمومته محمد بن عرفة, وكان هذا الأخير آخر من يعلم بما يجري في البلاد… زاد هذا الاعتداء من وعي الشعب المغربي الذي لم يكن يهتم في أغلبيته بأمور السياسة باستثناء بعض النخب التي كانت تتتبع الأحداث عن كتب وتتفاعل معها عن طريق الحركة الوطنية المسيرة من طرف برجوازية صغيرة صاعدة وحركة مقاومة فتية مكونة من العمال والصناع التقليديين وصغار التجار … وكان الحب الكبير الذي تكنه محجوبة للملك محمد الخامس هو الذي جعل سكان الخربة ينادونها بمحجوبة الوطنية… ولما نكون في ضيافتها أنا ووالدتي و باقي نساء الخربة كان انتباهي دائما مركزا على الصينية وما تحمله من فواكه جافة . فقد كنت استغل انشغال الحاضرات بالحديث عن الملك المنفي لأشفي غليلي من هذه الفواكه اللذيذة التي لم تكن في متناول عامة الناس… أما الغرفة المجاورة لعلال العسكري وزوجته محجوبة الوطنية فكانت تسكنها للاطام وابنها محماد الذي كان يشتغل نقالا يقضي نهاره في جر عربة نقل بضائع وسلع الزبناء عبر أزقة المدينة العتيقة … كان أهل الحي ينادونه بمحماد أوطرانت.كان أصلع قصير القامة مفتول العضلات وكانت اللكنة البربرية لاصقة بلسانه رغم أن مظهره وحركاته كانت توحي بالنخوة المراكشية… كان يحترم أمه للاطام ويعتني بها ويبر بها لدرجة القدسية وهو ما جعله مضرب المثل بين سكان الخربة .أما والدته فقد كانت دائما تدعو له بدعوات الخير والرضى … كان الجيران يقدرونه خاصة لهذا السبب رغم أنه كان يفاجئ الجميع أحيانا بفرجة ليلية مفروضة هو الآخر لما يفقد صوابه المعتاد عند إفراطه في شرب الخمر ليدخل في حالة سكر وعربدة مما يغضب أمه فتدعو عليه بالجحيم وبكل مصائب الدنيا والآخرة… وكم مرة استيقظ سكان الخربة من النوم مذعورين على صياح محماد اوطرانت وقد لعبت الخمرة بعقله وهو يصرخ بأعلى صوته: ـ نكي محماد اوطرانت الشلحي! واللي عاجبوا راسوا هاالكارة ما كالت عيب ! وذات ليلة دخل محماد في هديان السكر المطبق ولم يعد يعي ما يقول حيث بدأ ينطق بألفاظ اعتبرها الجيران تخل بالحياء مما أحرج والدته وجعلها تطلب من رجال الخربة إخبار مقدم الحي ليعتقل السكير ويسترح منه الجميع… وفعلا حضر مقدم الحي ومعه المخازنية الذين بادروا إلى تقييد يدي السكير المعربد وراء ظهره وساقوه وهو يتمايل نحو دار الباشا وكانت والدته للاطام تصيح: ـ ديوه لحبس ماهو ولدي ولا أنا مو! أما محماد اوطرانت فقد دخل في ضحك هستيري وهو يودعها بقوله: ـ أديوس الواليدة ! أظهرت الأم المسكينة أثناء اعتقال ابنها رباطة جأش وصرامة نادرة أمام الجيران , لكن الجميع كان يعرف أنها ستقضي الليلة تبكي ابنها الوحيد الذي كان يخصها بعناية فائقة وحنان كبير … فكان الحادث مناسبة من المناسبات التي يستغلها الفقيه علي المؤذن ليذكر سكان الخربة بأن شرب الخمر وتدخين الكيف والسجائر من الكبائر وأن الابن العاق مثل محماد أوطرانت لا يدخل الجنة أبدا وكان الجيران يبتسمون لحديثه ويتبادلون نظرات استهزاء والكل يعلم أن زوجته خدوج الشيضمية مدمنة على سجائر فافوريت وهو في غفلة من أمرها… خيم الهدوء على الخربة ودخل الجيران غرفهم ليخلدوا للنوم . فسألت والدي أين ذهب المخازنية بمحماد؟ فأجابني: ـ داوه لحبس ـ واشناهوا الحبس؟ ـ واحد المحل فيه الكمل والبق كيسدوا عليهم فيه وكيكلوا فيه العصا كل نهار… ـ مال محماد دار الصداع؟ ـ شرب الشراب… ـ واشناهوا الشراب؟ ـ هذاك الما ديال العنب الخاسر حرمو الله!… أطفأ والدي فتيل القنديل بنفخة واحدة ليعم الظلام الغرفة , وبقيت أتخيل في العتمة محماد أوطرانت في سجنه وهو يعاني من لدغات البق والقمل والمخازنية يتناوبون على جلده…

%d مدونون معجبون بهذه: