مجتمع

د. ايمان غانمي ..إصلاح قطاع الإعلام رهين باحترام مقتضيات الدستور

قالت إيمان غانمي، ان ربط الإشكاليات التي تواجه المؤسسات الإعلامية عموما  بمجموعة من الممارسات المختلة وغير المهنية لبعض مكونات القطاع ، والتي سادت لوقت طويل حتى أصبحت بمثابة تقاليد وأعراف ، أترث سلبا على مصداقية الحقل الإعلامي عموما والمؤسسات الإعلامية الجادة على وجه الخصوص، بما لكل ذلك من تداعيات ملموسة على الأوضاع  المادية الصحفيين(ات) والمهنيين (ات) بالقطاع عموما، والأزمات المالية لبعض المؤسسات الصحفية المستقلة،  جراء ممارسات بعض “تكتلات المصالح” المالية المؤثرة  التي تسعى على الدوام للتأثير في هذا الاتجاه أو ذاك حسب هواها على حساب المصلحة العامة.

وأضافت غانمي عضو المكتب التنفيذي للمنظمة الديمقراطية للصحافة والإعلام والاتصال، ان الجميع  عليه في سبيل تعزيز حرية الصحافة، والحفاظ على تعددية الإعلام وضمان تحديث القطاع، الذي يمثل إحدى دعامات مشروع المجتمع الديمقراطي الحداثي ببلادنا، مع التركيز على التكوين والتكوين المستمر، وتوعية الإعلاميات والإعلاميين بحقوقهم(ن)،وبثنائية الحرية والمسؤولية، ودعم المقاولات الصحفية النزيهة والجادة، وتحسين الأوضاع المادية والمعنوية لمهنيي (ات). القطاع باعتبار العنصر البشري المحور وقطب الرحى لأي إصلاح منشود. في هذا الحوار تقربنا إيمان غانمي من الإشكالات الموجودة وبعض الرؤى الاستشرافية:

حاورتهاـ أمال المنصوري

1-ماهو تقييمكم للوضع الحالي للإعلام خاصة بعد تولي المجلس الوطني للصحافة لتدبير القطاع؟

بداية ينبغي التذكير أن المجلس الوطني للصحافة تم إحداثه تنزيلا لأحكام الفصل 28 من الدستور الذي ينص على أن السلطات العامة تشجع على تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية، وعلى ضرورة وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به، وتكريسا  للخيار الديمقراطي للبلاد، ولا يمكن اعتباره انجازا لهذه التجربة الحكومية بعينها، بل هو محصلة لمسار طويل من النضال الحقوقي لأجيال من نساء ورجال مهنة المتاعب “صاحبة الجلالة”،ولسنوات طويلة من النضال السياسي، و لمسلسل عمل تشاركي بين مختلف الفاعلين السياسيين والنقابيين والحقوقيين عبر مسارات طويلة من النضال والحوار والتفاعل مع  حكومات متعاقبة، وبمبادرات وتشارك مع تمثيليات عن الجسم الصحفي ومهنيي النشر، حيث لاحت في الأفق ملامحه الأولى مع انطلاق تجربة التناوب السياسي بالمغرب منذ أواسط تسعينات القرن الماضي، وبرزت مضامينه موازاة مع إعلان الدولة عن رفع الاحتكار للمجال الإعلامي عبر إصدار قانون تحرير القطاع، وإحداث الهيئة العليا للسمعي البصري، و فتح النقاش حول إصلاح قانون الصحافة والنشر.

وإذا كان من السابق لأوانه في الوقت الراهن الإدلاء بتقييم موضوعي لأداء هذا المجلس، الذي يعلق عليه المغاربة عموما والجسم الصحفي على وجه التحديد، آمالا كبيرة  لتعزيز وتوسيع مجال الحريات في إطار دولة القانون والمؤسسات، وتكريس استقلالية السلطة الرابعة وفقا لمقتضيات الدستور، ففي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال أو التقليل من مجمل التحفظات والانتقادات الموجهة سواء للوزارة الوصية من لدن الفاعلين الحقوقيين ومن بعض التقارير الموضوعية الصادرة عن بعض المؤسسات الدولية المحكمة والمتخصصة، ومن بعض شركائها المهنيين والفاعلين في القطاع، أو حتى من لدن المجلس الوطني نفسه، كما عبرت عن ذلك بعض المكونات الإعلامية والحقوقية في البلاد. ونذكر هنا مثلا، الجدل الذي راج بخصوص ما يتعلق بتعيين اللجنة المكلفة بالإشراف على انتخابات المجلس الوطني للصحافة،  أو ما وصف بكونه  تعتيما واضحا حول أشغال هذه اللجنة، ضدا على الحق في الوصول للمعلومة الذي ينص عليه الدستور، مما أدى إلى تغييب المقاربة التشاركية في المنهجية المعتمدة في هذه الانتخابات، بالتالي فرض نمط الاقتراع باللائحة المغلقة دون غيره، وهو الجدل القانوني والمهني الذي أثارته  فئات معتبرة  من الجسم الصحفي، معبرة  عن رفضها له مطالبة باعتماد نمط الاقتراع الفردي المباشر.

 وبناء على ما رافق مختلف أطوار التهييء واعتماد مساطر البلورة والانجاز قبل وإبان وبعد خروج المجلس الوطني للصحافة بالشكل الذي خرج به، من نقاشات وسجالات وتدافع وبيانات وتصريحات من هنا وهناك، تبرز تساؤلات كبرى حول مدى سلامة المنهجية التي تم تبنيها في بلورة وإخراج أول صيغة  للمجلس الوطني للصحافة الذي يعتبر ثمرة عقود من العمل والنضال، وتتويجا يكرم جهود وتضحيات أجيال من النساء والرجال والهيئات الذين بذلوا الغالي والنفيس قصد تمكين المغرب من هذا المكسب الديمقراطي، الحقوقي والإعلامي الهام. كما أن هناك العديد من الآراء المعبر عنها من لدن جزء لا يستهان به من الفاعلين في الحقل الإعلامي، تسائل مختلف المتدخلين في القطاع حول ما مدى استقلالية هذا المجلس بالنظر للظروف والملابسات التي أحاطت بلحظة تأسيسه. إن هذه الآراء والتساؤلات، تستوجب كذلك النظر إليها بعين الاعتبار ومعالجة الإشكالات التي تطرحها اليوم بنظرة استشرافية وبمقاربة عقلانية مجردة من الذاتيات والسياقات والإكراهات السابقة، لأن إرساء مؤسسة وطنية ذات مهام وأدوار مهنية ومجتمعية بالغة في تصليب بناء دولة القانون والحريات في كنف المؤسسات الديمقراطية، يستوجب من الجميع العمل برؤية البناء التشاركي وبروح التكامل والتعاون بين كل مكونات الجسم الصحفي والإعلامي ببلادنا، لتصبح هذه المؤسسة بمثابة هيئة مرجعية ومستقلة للتنظيم الذاتي والوساطة والتحكيم ووضع المعايير المهنية في احترام تام لثنائية الحرية والمسؤولية

كما تعرض «الميثاق الوطني لأخلاقيات مهنة الصحافة»، الصادر عن المجلس الوطني للصحافة والمنشور في الجريدة الرسمية مؤخراً، بدوره لانتقادات  باعتباره جاء مقتضبا في باب حقوق الصحافيين والصحافيات ومستفيضا في باب الواجبات والأحكام، وبأنه لم يأخذ بعين الاعتبار التطورات الرقمية والتكنولوجية والاجتهادات الدولية ذات الصلة بحرية وأخلاقيات مهنة الصحافة، وغياب المقاربة التشاركية في صياغته، وهو ما شكل خيبة أمل بالنسبة لبعض أعضاء (عضوات) الجسم الصحفي، الذين راهنوا على الدور الايجابي المفترض للمجلس في توفير إمكانيات مهمة في مجال توسيع حرية الرأي بالبلاد وتيسير الولوج إلى المعلومة في نطاق منظومة قانونية  متقدمة ووفق الضمانات الدستورية ذات الصلة.

وعلى العموم، وبالرغم من كل القضايا والتساؤلات والإشكالات التي لا زالت مطروحة،  و ما تم التعبير عنه من انشغالات وتخوفات مشروعة،  يبقى إحداث هذا المجلس في حد ذاته مكسبا  ديمقراطيا للبلاد،  وإنجازا مشرفا يتعين تطويره وتثمينه باعتباره أحد أهم المداخل المؤسساتية المنوط بها القيام بالتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة.

-2-مع بداية الدخول الاجتماعي الحالي هناك مجموعة من المؤسسات الإعلامية المكتوبة المسموعة والمرئية تعاني من مشاكل.. ما هي الحلول الممكنة للخروج من هذه المعضلة؟

يمكن إجمالا ربط الإشكاليات التي تواجه المؤسسات الإعلامية عموما  بمجموعة من الممارسات المختلة وغير المهنية لبعض مكونات القطاع ، والتي سادت لوقت طويل حتى أصبحت بمثابة تقاليد وأعراف  مما يؤثر سلبا على مصداقية الحقل الإعلامي عموما والمؤسسات الإعلامية الجادة على وجه الخصوص، والتي تعاني من هيمنة  بعض قوى الضغط الاقتصادية والسياسية أحيانا والتي تسعى دوما لاحتكار القطاع من خلال فرض توجهات معينة  في التأثير وصياغة المشهد الإعلامي، ومن إسقاطات السجالات والصراعات السياسيية  والسعي إلى استثمار المجال الإعلامي عموما والصحفي على وجه الخصوص للضغط وحسم المعارك السياسية بالتأثير في الرأي العام وتوجيهه لفائدة هذا الطرف أو ضد ذاك الطرف،  بما لكل ذلك من تداعيات ملموسة على الأوضاع  المادية الصحفيين(ات) والمهنيين (ات) بالقطاع عموما، والأزمات المالية لبعض المؤسسات الصحفية المستقلة،  جراء ممارسات بعض “تكتلات المصالح” المالية المؤثرة  التي تسعى على الدوام للتأثير في هذا الاتجاه أو ذاك حسب هواها على حساب المصلحة العامة.

بيد أن المتغيرات التي يعرفها المغرب اليوم، والإرادة القوية للإصلاح في ظل المقتضيات الدستورية المتقدمة في مجال ضمان ممارسة وحماية المهنة،  تعد بإيجاد الحلول الكفيلة  بالنهوض بالقطاع وأوضاع العاملين (ات) به، إذا ما  تظافرت الجهود من لدن كافة القوى الحية للمجتمع و المكونات المهنية والحقوقية والنقابية بالقطاع لتقوية وتطوير الترسانة القانونية في انسجام تام مع الحق في الوصول إلى المعلومة  الذي يكفله الدستور،

ناهيك عن المعاهدات والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، وانخراط الجميع في سبيل تعزيز حرية الصحافة، والحفاظ على تعددية الإعلام وضمان تحديث القطاع، الذي يمثل إحدى دعامات مشروع المجتمع الديمقراطي الحداثي ببلادنا، مع التركيز على التكوين والتكوين المستمر، وتوعية الإعلاميات والإعلاميين بحقوقهم(ن)،وبثنائية الحرية والمسؤولية، ودعم المقاولات الصحفية النزيهة والجادة، وتحسين الأوضاع المادية والمعنوية لمهنيي (ات). القطاع باعتبار العنصر البشري المحور وقطب الرحى لأي إصلاح منشود.

-3-هل لديكم رؤية استشرافية لإصلاح القطاع؟

إن أي مشروع إصلاحي  للقطاع، مهما كبر أو صغر حجمه ومداه،  يمر وجوبا عبر تبني مقاربة تشاركية  وفتح النقاش مع الهيئات النقابية المشتغلة بالمجال، وفي هذه الأثناء تعكف المنظمة الديمقراطية للصحافة والإعلام والاتصال على صياغة تقرير حول  حصيلة  قطاع الاتصال عموما خلال الولاية الحكومية الحالية، وهي بصدد بلورة تصور شامل لرؤيتها الإصلاحية  للمجال الإعلامي والذي سيتم الإعلان عنه قريبا.

الأكثر قراءة

To Top