الرئيسية » رأي » بين قوسين: سطوة اليومي..

بين قوسين: سطوة اليومي..

 

كتب: عبد العزيز بنعبو

عازف بيانو في فيلم أمريكي سقط من علو، هلعت حبيبته وخافت عليه، طمأنها “لقد كسرت رجلي فقط”. تنفست الصعداء فأنامله بخير..

لاعب كرة القدم اصطدم بمنافسه، سقط يتلوى من الالم، هرع إليه زملاؤه، طمأنهم طبيب الفريق، لقد كسر أحد أصابع يده فقط، تنفسوا الصعداء فهو قادر على اللعب..

لو تغيرت الصورة وتبادل كل منهما الموقع لما اطمأن أحد، تلك مصادفات اليومي. الجائع لا ينظر إلى سيارة فارهة تعبر امامه، بل ينظر إلى أقرب فرن تفوح منه رائحة الخبز. بطنه دليله في تلك اللحظة، هي بوصلة حاجياته، لا مكان لشيء أخر غير الشبع.

إنها سطوة اليومي، محن تتكرر ولا تنتهي إلا بربحة كبيرة في “اللوطو أو التيرسي”. وحتى هذه الربحة لا تأتي إلا لماما ونادرا، البقية تصاب بالذبحة بدل الربحة، البقية تصاب بخيبات الامل المتكررة على الدوام. العامل الذي يكسب قوت يومه من شقاء النهار تحت الشمس أو المطر والبرد، لا ينتبه للطقس بقدر انتظاره لدراهم شقائه. ثمن تلك المسافة الزمنية اليومية التي يقضيها على امل العودة إلى أولاده محملا بقليل من الخبز.

الفنان الذي يعيش الإنتظار، يترقب هلال رمضان ويصومه ليس إيمانا وإحتسابا بل لأنه يأمل أن يكون له حضور على مائدة الفطور ليس كنجم بل كدخل يجنيه من عمل شارك فيه يمكنه من جعل طاولة أسرته تليق بمقام شهيوات رمضان.

الفنان الذي يترقب الخروج من عطالته وقهوته “الكريدي” اليومية، لا يساوم ولا يفاوض، يقبل اول عرض من اول مخرج أو منتج يمر امامه أو يتصل به، يقول نعم مباشرة حتى قبل معرفة ماهية المقترح، نعم دون قيد او شرط.

الكاتب الذي يحتبس دخان نار كتاباته في صدره، لا يشترط غلافا سميكا لكتابه أو اوراق رفيعة أو حلة بهية وأنيقة، أو أجرا مضاعفا على جهده، يطلب فقط ناشرا يأخذ ما شاء ويخرج دخان نار كتاباته من صدره إلى رفوف المكتبات.

الكاتب الذي لا يعيش من كتاباته ينتصر على الورق وينتصر على اليومي “فالكاميلة طايبة” والحمد لله والاولاد لن يجوعوا. لكن الكاتب الذي يعيش من كتاباته يجتر يومياته ويعيش الحيرة مليون مرة بين القناعات المبدئية والقناعة الخبزية. حيرة تنتهي مع اول لسعة جوع.

سطوة اليومي لا حدود لها، سائق الطاكسي لا يأبه لباقي السائقين، فقط يهتم “للكورسة” والوصول سريعا حتى يتمكن من سداد “الروسيطة” للمالك و يبقي قليلا من امل للاولاد وللتامين وللضريبة وللفحص التقني..

سطوة اليومي تجعل الصحافي يتحول إلى سخافي، والفنان إلى عفان والكاتب إلى كاذب والعامل إلى عبد والسائق إلى مغامر. بخلاصة تحول الإنسان إلى لا إنسان هو أقرب إلى حيوان يريد فقط تلبية حاجياته اليومية لا أقل و لا أكثر..

سطوة اليومي هي التي تجعل العيش أشبه بتسلق جبل صخري شاهق، خاصة عندما تصبح قفة المواطن مندهشة من جبروت حتى البصل والبطاطس والعدس و”البيصارة”..

%d مدونون معجبون بهذه: