الرئيسية » رأي » بين قوسين: البشاعة ثم البشاعة..

بين قوسين: البشاعة ثم البشاعة..

 

كتب: عبد العزيز بنعبو

لم يعد مقبولا أبدا هذا الكم الهائل والمغرق من البشاعة التي تحاصرنا في الواقع والافتراض. لم يعد ممكنا التعايش مع النيات المخدومة لتحويل يومياتنا إلى حلبة مصارعة وشاشة بلازما نشاهد عليها مقاطع فيديو المنتحرين و القتلة والمغتصبين والمتحرشين والمرضى الذين لا يعرفون انهم مرضى.

لم يعد مقبولا مطلقا أن نشاهد تحول قيم المجتمع، المتسامحة والمنفتحة، إلى صورة انياب بارزة تلتهم كل ما هو بشع وتتلذذ به كما لو كان وجبة دسمة في مأدبة فاخرة.

كل يوم علينا التفكير في توجيه أصابع الإتهام إلى أنفسنا نحن كمجتمع. علينا أن نواجه حقيقتنا، التي تؤكد اننا لم نقم بواجبنا نحو هؤلاء الفتية الصغار الذين كبروا بين أحضان التكنولوجيا ولم يجدوا من يوجههم حسن التوجيه. وربما المسألة أكبر من ذلك، فنحن من لم نهيئ لهم أرضية صلبة يقفون عليها ولا تسقطهم الموجات التكنولوجية العاتية.

نحن من لم نستطع أن نحصنهم من كاميرا الهاتف النقال وكاميرا السكايب ومواقع الدردشة. لم نوفر لهم الزاد الذي يكفيهم لتحمل هذا الطريق الطويل. لذلك ليس من الممكن اليوم أن نلوم هؤلاء الفتية، على نشر فيديو إنتحار بشع، والإقتراب من جثة تحت عجلات شاحنة، أو محاورة طفل مغتصب والتشهير به. لا مجال للومهم فهم نتاج مرحلتهم، التي لم نعيها جيدا و لم نتمكن حتى من اللحاق بها. لتصير المسافة أطول بين الأبناء و الاباء. مسافة بحجم الكارثة، بحجم العجز عن مواكبة متطلباتهم ورغباتهم واحلامهم.

في كل يوم كثيرون يريدون مغادرة مواقع التواصل الإجتماعي، وهم في عمر الآباء طبعا. لكن الخطأ يبدأ من هنا، من الإنسحاب ودفن الرأس في الرمل. بمعنى أصح الهروب من معركة التكنولوجيا. هنا الخطأ الذي لا يجب أن يتجنبه الآباء، على الكل المشاركة والتوجيه والكشف عن مكامن الخلل لعلنا نستطيع شيئا أمام هذا الغول الجائع.

لكن الطامة الكبرى أن يكون الآباء بدورهم ضحايا إستلاب تكنولوجي. يغلقون على أنفسهم في غرف الدردشة، ويوصدون عليهم الأبواب ويعيشون لحظتهم السابقة بأثر مستقبلي. التكنولوجيا تمحي الشيب وتنفي الزمن وتعيد الملامح كما لو كانت عند الولادة. هي الخدعة الكبرى التي لم نهيأ لها نحن، فكيف لنا أن نهيئ لها الأبناء.

فقط كفوا عن إعتبار البشاعة مسالة عادية، وصورا من اليومي لا أقل و لا أكثر. لأن التطبيع مع البشاعة سيحولنا إلى وحوش في ثوب بشر..

%d مدونون معجبون بهذه: