الرئيسية » الرئيسية » *بوجمعة بينهو :الإطار المفاهيمي للقبيلة و النخب – دراسة لمحددات السلوك الانتخابي -“حالة المجتمع الصحراوي نموذجا”( الحلقة 10 )

*بوجمعة بينهو :الإطار المفاهيمي للقبيلة و النخب – دراسة لمحددات السلوك الانتخابي -“حالة المجتمع الصحراوي نموذجا”( الحلقة 10 )

– المطلب الثالث: النظرية المفسرة لعلاقة القبيلة والسياسة.
بغية مقاربة إشكالية القبيلة والسياسة، لابد من وضع إطار نظري يمكننا من رصد ومعرفة مكانة القبيلة في الدراسات التي اهتمت بدارسة الأنظمة والبنى السياسية في المجتمعات ذات التنظيم الاجتماعي القبلي، فلزمن طويل تم اعتبار المجتمعات القبلية مجتمعات (بدائية) لم تعرف السياسة وتظل العلاقة بين أفرادها محددة بقواعد القرابة الدموية .
لقد ظلت أغلب الدراسات التي قاربت المسألة القبلية في المغرب العربي تتحرك في نسق التاريخ أو الأنتروبولوجيا أما علم الاجتماع فإن مساهمته كانت جزئية أو متحفظة، ومن الافتراضات التي يمكن أن تفسر هذا الواقع أن التحولات السريعة والكثيفة التي أصابت هذه المجتمعات دفعت بعلماء اجتماع المنطقة إلى المصادقة على أطروحات غيرهم.
إن التضامن الاجتماعي لا يزال يوظف البنية القرابية والموروث القبلي، فرغم تفكك هذه البنية ظاهريا إلا أنها مستمرة رمزيا وثقافيا، فهي لا تفتأ تستعيد إنتاج بعض ملامحها في مناسبات عديدة (الانتخابات مثلا) .
– الفرع الأول: النظرية التطورية.
صنفت النظرية التطورية المجتمعات القبلية ضمن مراحل ما قبل الدولة، وهي مراحل اتسمت بهيمنة العلاقات القرابية ولم ترق بعد إلى مستوى بناء علاقات سياسية كتلك التي ميزت المجتمعات الدولاتية، حيث لعبت روابط المجال الترابي دورا أكبر أهمية من روابط القرابة.
تعتبر القبيلة لدى (لويس مورغان Morgan) وهو ابرز منظري المدرسة التطورية في أواخر القرن 19 تنظيما لم يرق بعد إلى مستوى المجتمع السياسي، أي الدولة لأنها خاضعة بقوة لنظام القرابة، فهو يرى في كتابه الصادر سنة 1877 أن الدولة لا يمكن تأسيسها إلا على أساس أرض، أي على تجمعات تمثل وحدة النظام السياسي، وليس على أساس الأشخاص والوحدة الاجتماعية الأولية التي تشكل وحدة النظام الاجتماعي في القبيلة، والدولة بهذا المعنى تتطلب انقراض التنظيم القبلي، لأنها تقوم على مراقبة مجال ترابي يعيش عليه أفراد منضوون في مجموعات ترابية وليس مجموعات قرابية .
وينتهي (مورغان) إلى كون تفكيك التنظيم القبلي والعلاقات المؤسسة على مبدأ القرابة الدموية ، هي الوسيلة الوحيدة لتجاوز مرحلة البربرية والانتقال إلى مرحلة الحضارة مجسدة في إقامة الدولة، وستؤثر هذه النظرية بقوة على الدراسات حول القبيلة والدولة بما فيها (النظرية الماركسية)، حيث أن كتاب (أصل العائلة والدولة والملكية الخاصة)، ما هو إلا صياغة جديدة لكتاب مورغان (المجتمع البدائي) .
رغم الانتقادات التي وجهت إلى النظرية التطورية منذ بداية القرن العشرين، فإنها ظلت حاضرة في الدراسات الانثربولوجية، ففي أواخر الستينات من القرن الماضي سيعود الطرح التطوري إلى ميدان البحث حول القبيلة من خلال كتابات الانثربولوجي الأمريكي (مرشالسالنسMarshall Sahlins) الذي يصنف ضمن المدرسة التطورية الجديدة.
ففي كتابه (رجال القبيلة) ، تحتل القبيلة موقعا في تطور الثقافة التي تعد الحضارة مرحلتها النهائية، فالحضارة ليست متطورة ومتقدمة على القبيلة بفعل سيادة السلطة المركزية فقط، ولكن بتقديمها في التنظيم والتحول الكيفي في طبيعة الثقافة، وهنا بفصل (سالنس) بين القبيلة والحضارة، فالأولى تمثل الحرب والثانية تمثل السلم، إذ تتميز الحضارة بهيمنة القانون، بينما يعيش إنسان القبيلة في ظروف الحرب، وهو ما يحد من تطور بنيته وغنى ثقافته، والحرب هنا لا تعني عند (سالنس) القتال الدائم، بل استعداد الإنسان القبلي وتهيئه للقتال، لذا تكون احتمالات الحرب مرتفعة في هذا المجتمع، عكس ما هو عليه الحال في الحضارة، حيث يكون العنف مقننا وتقوم سلطة عليا بالسهر على ضبطه، ففي المجتمع المتحضر توجد مؤسسات تسهر على كبح جماح الفرد وتمارس العنف بدلا عنه، وهنا يبدو (سالنس) متأثرا بمفهوم الدولة لدى (ماكس فيبر) الذي يعرف الدولة بأنها الاحتكار الشرعي للعنف، إن الحضارة تتميز بإقامة مؤسسة الدولة ومركزة السلطة السياسية وبذلك تتجاوز فوضى الانقسام .
وبصفة عامة فلقد شكلت مؤسسة الدولة أهم المعايير التي ارتكز عليها تصنيف المجتمعات إلى سياسية أو غير سياسية، وكانت النظريات من التطورية حتى الماركسية ترى في نظام القبيلة تعارضا مع السياسة، أي أن نظام القرابة ينتقد لما هو سياسي ويتعارض معه، لكن هذا الطرح تم تجاوزه مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين وخصوصا مع نشأة الانثروبولوجيا السياسية .
– الفقرة الأولى: علاقة القرابة والسياسة – جورج بالاندييه.
يعتبر (بالاندييه) أحد مؤسسين الانثروبولوجيا السياسية حيث انطلق في عمله من خلال توضيح العلاقات المعقدة بين ميدان القرابة وميدان السياسة، فالقرابة منحت السياسة نموذجها ولغتها، ويعتبر عن العلاقات السياسية بمفردات القرابة.
فالدراسات الانتروبولوجية عموما عمدت على تجاوز مفهوم السياسة بمعنى الدولة، فأصبحت السياسة تتخذ عدة أبعاد ودلالات أغلبها ربط تعريف السياسة بالتحكيم والوساطة والحق في استعمال القوة، ففي المجتمعات التي تهيمن فيها روابط القرابة مثل الأقاليم الجنوبية، تكون المواطنة مشروطة ومحددة بنمط الانحدار النسبي أبوي أو أموي، والدور والمكانة والوظيفة السياسة ومراكز السلطة تحددها عوامل عشائرية وسلالية وقبيلة، فعامل القرابة المتمثل بنظام السلالات هو المحدد للعلاقات السياسية عموما.
– الفقرة الثانية: جدلية المال والسياسة – مارشال سالنس-.
ينضاف العامل الاقتصادي إلى العامل القرابي في بناء السياسي في المجتمع، فبعض الأفراد يصلون إلى السلطة بفضل ثرائهم المادي والاقتصادي، والرجل العظيم كما تناوله سالنس ، يصل إلى السلطة بفضل ما راكمه من ثروة مادية، هذه الثروة التي يجب عليه توزيعها كهبات في صالح عشيرته، فمكانته الاجتماعية والسياسية تجد مبررها في الجانب المادي وتوظيفه في الوصول إلى السلطة، وإجمالا تنتج القرابة والهبة الاقتصادية نماذج من السلط تنبني على معايير خارج حقل السياسة بمفهومها المعاصر الذي يظل قاصرا على استيعاب هذه الأبعاد.

%d مدونون معجبون بهذه: