الرئيسية » رأي » المنتحرون… هاربون من الحياة..

المنتحرون… هاربون من الحياة..

كتب: عبد العزيز بنعبو

مؤخرا كثرت اخبار الإنتحارات، عادت بقوة لتؤثث مشهدنا المجتمعي. وقبل سنة تقريبا، طلعت علينا دراسة تضمنت إحصائيات رهيبة، أفادت أن ازيد من 261 مواطن مغربي أقدموا على الإنتحار. قد يبدو الرقم بالنسبة إلى البعض رقما متواضعا، لكنه رقم مخيف جدا بالنظر إلى العديد من العوامل اولها العقيدة، و ثانيها الأعراف المجتمعية و ثالثها صورة أهل المنتحر التي تلتصق بها حالة إنتحار مدى الحياة.

الرقم يدعونا إلى تفقد حواسنا و أعصابنا و العناية بصحتنا النفسية و العقلية، فالجنون ليس أوج الخروج عن المعقول. بل هناك امراض نعيشها و نتنفسها في يومياتنا، و هناك مرضى يعيلون أسرا و يدرسون تلاميذ و يعالجون مرضى و يدافعون عن متهمين و يرسمون و يكتبون و يصلحون السيارات و يبيعون الاكل في المحلبات و المطاعم. هؤلاء كلهم نحن نتفرد في حالاتنا ونتحد في صيغتنا الجماعية.

كما لو أننا انهينا مسافة الحياة بفرض الإنهزام على أنفسنا. ذاك الرجل و تلك المرأة و ذلك المراهق، كلهم نحن في صيغة الجمع. نحن الذين نستفيق بكسل و نخاف من يومنا، اكثر مما نطمع في لحظة مورقة و يانعة تظلل رؤوسنا بما تيسر من حلاوة اليومي. هكذا نمر عبر اليوميات في كل صباح، الازدحام و صفوف المواطنين و السيارات تملأ العين و تحجب عنها الأمل في الوصول إلى مقر العمل في الموعد المحدد. كل القراءات و التأويلات و التحايل على الوقت، تتساوى في ذهن المواطنين كافة دون استثناء.

الصباح يبقى مستترا خلف حقائق متوقعة و لا يمكن الخطأ في تخميناتها، لكن طعم الصباح يتغير، و لون الشمس يصبح كئيبا جدا، عندما تغطي الخيبة  نظرنا، و يصبح الجيب مكسور الخاطر بسبب زيادة سرقت ما تبقى من صبر في جوفه و حولته إلى مهوى سحيق لاقرار له، كما لو كان مثقوبا و سقطت دراهم العمر منه . بين الخبز و الحليب يضيع أجر الاجتهاد، و بين “المازوط  و ليسانس” يضيع أجر الإستغفار، لأن اللسان ينسى ربه  و يتذكر قاموسه النابي ليسب ذات الشمال و ذات اليمين دون أن يراعي أي اعتبار أخر. فالمواطن يكفيه انه  يتجرع المرارة في “الحانوت” و في الصيدلية و في التلفزيون و في أحلامه أيضا. يعيش من اجل أن يستفيق كل صباح و يمتع الأخرين “بوجهه” المتقزز بعد الجرعة الأولى من المرارة اليومية.

يكفي ان المواطن لم يعد قادرا على مواجهة اليومي حتى يفكر في طبيب نفسي يزيل عنه شبح الاستسلام  للألم و الأزمة. و بالتالي المغادرة وإختيار الهروب من الحياة…

ورغم ذلك لا حجة للهارب من مواجهة الحياة بالإختباء في الموت، هناك ما يستحق الحياة، قالها الراحل الكبير محمود درويش..

%d مدونون معجبون بهذه: