الرئيسية » ثقافة » الزَّهـرة رَمـيـج، الرِّوائـيَّـة التي أخرجـت المـرأة القروية من سِلبيَّـتها في”عَــزّْوزَة”

الزَّهـرة رَمـيـج، الرِّوائـيَّـة التي أخرجـت المـرأة القروية من سِلبيَّـتها في”عَــزّْوزَة”

حاورها: إدريس الواغيش

قد تكون مسارات حيات الزهرة الرّميج مُتشابكة، لكنها كـ“زَهرة“ بسيطة في حياتها ومُعاملاتها وإبداعاتها، فرغم ما صادفته في طريقها من مِحـَن، بدءًا من سجن زوجها ثم فقدانه إلى الأبد، لم تفقد توهجها في الحياة والإبداع فواجهت كل تلك المحن بصبر المرأة المسؤولة. ولأنها أيضا ابنة الشعب، ارتبطت جل أعمالها بقضاياه الاجتماعية والسياسية، ما جرَّ عليها كثيرًا من المشاكل دوَّنته في أعمالها الأدبية على شكل قصص أو روايات، اتسمت أعمالها الأدبية بالجدية والصدق، قد يكون أشهرها: رواية “أخاديد الأسوار“ ورواية “عزّوزة“، واعتبرتا من الروايات الأكثر مقروئية في المغرب، هما اللتان لاقتا رواجا ومتابعة من قبل النقاد المغاربة والعرب على السواء.

تلكم هي الزهرة رميج، الأديبة والإنسانة، التي كان لنا معها هذه الحوار:

1-   كنت تشعرين دائما بالحاجة إلى الكتابة، تبحثين عن شيء جديد في الكتابة القصصية والروائية تضيفينه إلى المرأة وإلى ذاتك تحديدا، ما هو هذا الجديد الذي أضافته الزهرة رميج في رواية ”عـَزّوزَة” مثلا، الأكثر شهرة ومقروئية في المغرب على الأقل؟

أعتقد أن الجديد الذي أضافته رواية “عزوزة” إلى الرواية المغربية، هي كونها اهتمت بالبادية المغربية بشكل غير مسبوق، إذ جعلتها الفضاء الأساسي للرواية، كما استمدت منها أبطال الرواية الأساسيين، ذلك أني حاولت في هذه الرواية الاحتفاء بالبادية وأهل البادية بطريقتي الخاصة، وأن أصور عوالمها كما عرفتها أنا في طفولتي، لأن البادية التي عرفتها تختلف عن البادية كما تصورها بعض الأعمال الإبداعية. أردت أن أحتفي خصوصا بالمرأة البدوية التي تصورها معظم الأعمال الفنية كنموذج متخلف وسلبي، وبلا إرادة. أعتقد أن ما شد القراء إلى رواية “عزوزة”، وجعل منها الرواية الأكثر مقروئية في المغرب حسب تعبيرك، هو أن المغاربة وجدوا فيها أنفسهم، وعاداتهم، وعلاقاتهم الاجتماعية، وتاريخهم أيضا.

والأكثر من هذا، أنهم وجدوا فيها صورة مشرقة عنوانها الجمال والرقي، ووجدوا نموذجا مختلفا للمرأة، بل ومثلا أعلى في التحدي والمقاومة، والكبرياء. لقد وضعت الرواية أصبعها على الجراح التي تنزف في المجتمع، وتحديدا داخل الأسرة المغربية، ما بين الزوج والزوجة، وبين الزوجة والحماة، وهي علاقات لا تنحصر في المجتمع القروي، ولا في مرحلة تاريخية سابقة، وإنما تمتد جذورها إلى حياة المدينة والحياة المعاصرة. في رواية “عزوزة” احتفيت بتراثنا الأصيل الذي يكاد ينقرض، متمثلا في الأزياء المغربية القديمة، وأدوات الزينة وطرقها، والأغاني والحكايات الشعبية التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن الماضي. هذا الاحتفاء بالجمال والرقي، هما ما شد القارئ المغربي. وبما أن شخصية “عزوزة” تجسد هذا الجمال وتجسد معه قيمة المقاومة والتحدي، فقد أعجب القراء المغاربة غاية الإعجاب بها.

كما أن طريقة كتابة هذه الرواية ساهمت حسب اعتقادي، في نحاجها بشكل كبير. فهي تجمَع بَين “الكلاسيكية النبيلة” كما نعتها د. عثماني الميلود الذي نسق للكتاب الجماعي المعنون ب”اقتصاد النسيان في رواية عزوزة”، وبين الطريقة الحداثية المتمثلة في تكسير خطية السرد، والتلاعب بالأزمنة حيث يتداخل الماضي بالحاضر بالمستقبل، والاعتماد على المونولوغ والأحلام سواء منها الأحلام الليلية أم أحلام اليقظة، والاشتغال على التفاصيل الصغيرة، والحرص على الانسيابية والشعرية، وتجنب التكرار، والزوائد سواء منها اللغوية أو المَشهَدية، وتوظيف الضروري فقط، من الأحداث التي تخدم الحبكة السردية، وتوظيف اللغة البسيطة والعميقة في آن. وأعتقد أن هذه العناصر وخاصة منها اللغة البسيطة ساهمت بشكل كبير في قراءتها على نطاق واسع. فرغم حجمها الكبير الذي قارب الخمسمائة صفحة، إلا أن القراء من مختلف المستويات لا يقرؤونها فحسب، وإنما يعيدون قراءتها مرارا. وقد تنبه بعض النقاد لهذه اللغة ليس في رواية “عزوزة” فقط، وإنما في تجربتي الروائية ككل، ومنهم الناقد الفلسطيني سليم النجار الذي قال عنها في تقديمه للحوار الذي أجراه معي، ونشره بمجلة أفكار الأردنية: “الزهرة رميج في تجربتها الروائية، اشتغلت على لغة روائية بسيطة، وهي الأصعب، لأنها كالحقيقة، قوية وبسيطة في نفس الوقت. والبون شاسع بين البساطة والسذاجة. إنها الاقتراب الحذر من لب الرواية، أو من جوهرها…، فهي تنظر إلى الأشياء كعاشقة تريد المزيد من الحب والمعرفة أبدا. وأن تقول ببساطة، شيئا مختلفا من نفس الكلمات التي يتداولها الناس فيما بينهم.”

أعتقد أن هذه العناصر وغيرها، ممَّا تناوله النقاد في الدراسات العديدة التي حظيت بها هذه الرواية، هو ما يمثل الإضافة النوعية، ويجعل القراء ينبهرون بها، ويقبلون على قراءتها باستمرار. ورغم إصداري لثلاث روايات أخرى، نالت حظها من القراءة والدراسة النقدية، إلا أن هذه الروايات لم تتمكن من إطفاء وهج “عزوزة”، الذي يعتبرها القراء الرواية المتوجة.

 

2-   تقول أحلام مستغانمي، وهي تتحدث عن روايتها “ذاكرة الجسد”، بأن السِّيَر الذاتية أقرب إلى شبيهاتها، لأن كل السير المشهورة تتضمن شيئا من التزوير. إلى أي حد كانت الزهرة رميج صادقة في كتاباتها، وخصوصا عن التجربة الاستثنائية في”أخاديد الأسوار” حول أدب السجون؟

لا ينبغي أن نخلط بين الرواية والسيرة الذاتية، وأنا لا أتفق مع من ينعت الرواية بالسيرة الذاتية. فمفهوم الرواية يحيل على التخييل لا على الحقيقة، وأن ما تتضمنه من أحداث وشخصيات حتى لو كانت مستمدة من الحياة الشخصية للكاتب، تبقى في النهاية شخصيات وأحداث خيالية. ولذلك، لا يمكننا اتهام الكاتب بالتزوير، طالما لم يصنف عمله الإبداعي في إطار فن السيرة الذاتية الذي يلزمه باحترام ميثاق الشرف بينه وبين القارئ، وقول الحقيقة دونما تغيير أو تزوير.

ولهذا، عندما كتبت رواية “أخاديد الأسوار” لم أصنفها ضمن السيرة الذاتية، رغم أن نسبة كبيرة من أحداثها حقيقية. فالساردة/ الزوجة هي في واقع الأمر، أنا الكاتبة. والمسرود له/ الزوج هو زوجي الذي كنت أثناء الكتابة في حالة حداد عليه. ترددت كثيرا في تصنيفها ما بين السيرة الذاتية والرواية، ولكني اخترت في الأخير، أن أصنفها ضمن الرواية، ما دام القارئ لا يمكنه التمييز بين حدود التخييلي والواقعي في هذا العمل، خاصة وأن اللغة التي كتب بها كانت أقرب إلى اللغة الشعرية وما تتسم به تهويم خارج أرض الواقع، وتوظيف للغرائبي والعجائبي أحيانا. فالأحداث مهما كانت واقعية، عندما تحمل على أجنحَة الخيال تفقد ارتباطها بالزمان والمكان. لكن هذا لا يعني أنها غير صادقة. فالصِّدق في الكتابة ليس هو قول الحقيقة العارية، وإنما أن تكون هذه الكتابة نابعة من أحاسيس الكاتب الصادقة، ومن فلسفته في الحياة، وتفاعله مع قضايا مجتمعه، وإيمانه بمسؤوليته تجاه هذا المجتمع، ودوره كمثقف، في المساهمة في تغيير الواقع إلى الأفضل.

الصدق هو أن يكتب الكاتب عما يعرف، وألا يفتعل قضايا وهمية، بعيدة كل البعد عن الواقع، أو أن يساير بعض أشكال الموضة في الكتابة، أو أن يكتب تحت الطلب، أو من أجل الإثارة وما إلى ذلك. فالصدق بهذا المفهوم، هو الذي يجعل القارئ يتفاعل مع ما يقرأ، ويجد نفسه فيه، ويتأثر به.

عندما كتبت رواية”أخاديد الأسوار”، لم أكتب عن معاناة المعتقل داخل السجن، لكوني لم أعش هذه التجربة، ولكني كتبت عن معاناة المعتقل خارج السجن، أي عن آثار السجن في وجدان المعتقل السابق، وانعكاس تلك الآثار على حياته وهو حر طليق. وكان هذا ما ميز رواية ّأخاديد الأسوار” عن الكتابات السجنية، إذ اعتبرها بعض النقاد أول رواية تتناول آثار الاعتقال ومعاناة المعتقل وهو خارج السجن، وليس معاناته داخل السجن كما هو معروف في أدب السجون، وخاصة منه ما كتبه المعتقلون السابقون عن تجاربهم داخل المعتقلات. فكتابتي في الرواية من هذه الناحية، صادقة لكوني اعتمدت فيها على ما أعرفه من خلال معايشتي لزوجي وللكثير من المعتقلين السياسيين السابقين، ولمست عن قرب، ليس آثار التعذيب الجسدية الظاهرة فحسب، وإنما أساسا، تلك الآثار النفسية اللامَرئية التي تسهم بدورها، في تدمير الجسد. في رواية أخاديد الأسوار كما في كل رواياتي وكتابتي عموما، ألتزم الصدق الإبداعي بالمفهوم الذي أشرت إليه، أما الصدق بمفهوم الحقيقة الواقعية، فقد التزمت به في كتابي الأخير “الذاكرة المنسية”، الذي أصررت على تجنسيه ضمن السيرة الذاتية، والتزمت فيه بذكر الحقيقة في كل ما أوردته في هذا الكتاب، بعيدا عن التخييل، وعن أي تزوير للحقائق.

 

3-   من المعروف أن أغلبية الكتاب، لا يكتبون عن سيرهم الذاتية، بشكل صريح، وإنما يتناولونها في قالب روائي تخييلي. فما الذي جعلك تخالفين هذه القاعدة، وتجنسين كتابك الأخير “الذاكرة المنسية” في إطار السيرة الذاتية، لا الرواية؟ وهل يمكن اعتبار ذلك جرأة منك؟

لا أنكر أن الكتابة عن الذات دون تمويه، وبشكل صريح في إطار فن السيرة الذاتية الذي يلزم الكاتب بقول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، يتطلب الكثير من الجرأة، إذ أن أصعب شيء هو الحديث عن الذات، وتعريتها أمام العالم. هذا ما أشعر به عادة، وشعرت به بشكل قوي أثناء الكتابة. وأقِـرُّ من هنا، أني ترددت كثيرا في إخراج هذا الكتاب إلى القراء، إذ كنت قد انتهيت من كتابته قبل سنتين من نشره، أي في سنة 2014. والحقيقة أني لم أفكر يوما، في كتابة سيرتي الذاتية. ولكن الظروف هي التي فرضت هذه الكتابة. وقد أشرت إلى هذه الظروف في مقدمة الكتاب. لقد كانت عودتي إلى مَراتع طفولتي بعد نصف قرن من الزمن، في إطار مشروع إنجاز فيلم وثائقي حول حياتي، السبب الرئيسي في هذه الكتابة. ذلك أن رؤيتي لفضاءات الطفولة، وللبيت الذي ترعرعت فيه، والمدرسة التي قضيت بها سنوات الدراسة الأولى، كل ذلك حرك وجداني، وجعل الكثير من الذكريات المنسية تطفو على سطح الذاكرة.  كما أن عدم إنجاز الفيلم، وبتراجع مني، جعلني أفكر في استثمار ما اكتشفته عن طفولتي في كتاب اعترافا بالمجهود الذي بدله صاحب المشروع من جهة، واقتناعا مني بأهمية هذه المرحلة الطُّـفولية التي قضيتها في البادية، في تكون شخصيتي كإنسانة وككاتبة من جهة أخرى. وهذه القناعة التي جعلتني أمتنع عن استثمار رحلاتي إلى مَراتع الطفولة في إطار التخييل الذاتي الذي أصبح اليوم يحل محل السيرة الذاتية، وذلك لنفس السبب الذي أشرت إليه سابقا، وهو أن التخييل الذاتي تُـمحي فيه الحدود بين التخييلي والواقعي، ويدق عليه الحكم الفقهي: “ما احتمل واحتمل سقط به الاستدلال”. وبما أني أردت في هذا الكتاب، أن أتحدث وبأمانة، عن طفولتي، وعن مرحلة هامة في تاريخ المغرب، فقد اخترت فن السيرة الذاتية رغم صعوبته، وقاومت إغراء فن الرواية، وممكناته التخييلية التي تمنح الكاتب مساحة أكبر من الحرية، وعدم التقيد بالأحداث.

 

4-   هناك موجة من الهجرات المغربية من الشعر إلى الرواية، غير أنك قمت بهجرة معاكسة من الرواية إلى الشعر. فما هي الدوافع التي دفعتك إلى هذه الهجرة، وإصدارك ديوان “ترانيم”؟

بالنظر إلى زمن نشر الديوان الذي جاء بعد إصداري لأربع روايات، يبدو للقارئ أني قمت بهجرة معاكسة لظاهرة هجرة الشعراء إلى الرواية. غير أن الحقيقة ليست كذلك. فهذا الديوان هو في الأصل كتابي الأول الذي لم ينشر في حينه، إذ كان جاهزا منذ مطلع الألفية الثالثة، ذلك أن الشعر لا السرد من أدخلني عالم الإبداع، وقد مارست كتابته بضع سنوات قبل أن أنتقل إلى السرد. السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا نشرت هذا الديوان بعد كل هذه المدة التي راكمت فيها العديد من الإصدارات القصصية والروائية، جعلت اسمي مكرسا في مجال السرد؟ هذا السؤال سعيت للإجابة عنه في المقدمة التي عنونتها ب “الكتاب الأول” دفعا لفكرة الهجرة من الرواية والقصة إلى الشعر.

وقد كان الدافع الأساسي وراء نشر الديوان، هو السؤال الذي ظل النقاد يطرحونه حول كتاباتي الأولى، غير مصدقين أن مجموعتي القصصية “أنين الماء” هي كتابي الأول، وعلى رأس هؤلاء الناقد د. عثماني الميلود الذي عبر عن ذلك في كتابه “اقتصاد النسيان في رواية عزوزة” بقوله: “أجد شبها عظيما بين ميلاد فعل الكتابة لدى كل من الكاتب المغربي الراحل إدمون عمران المالح ومواطنته الزهرة رميج، فكلاهما ولد بشاربين كبيرين. ولدا كاتبين كاملين دون أن تتوفر لدينا، نحن القراء المغاربة، آثار كتاباتهما الأولى، ودون أن يكون بإمكاننا معرفة كيف كانت الولادة الأولى، ولا صور نصوصهما غير الناضجة، الحاملة لمصاعب البدايات”.

فقد كان هذا التساؤل من أهم الأسباب التي دفعتني إلى نشر الديوان، ووضعه بين يدي القراء باعتباره كتابي الأول، حتى يتسنى لهم الاطلاع على مساري الإبداعي منذ بداياته الأولى. وقد حرصت على عدم تنقيح قصائدي التي كتبت معظمها في النصف الثاني من التسعينيات، حتى يتمكن القارئ من معرفة الولادة الأولى ومصاعبها.

 

5-   كروائية ما هي الرواية الأنموذج وطنيا، أو عالميا، التي يمكن أن تكون قد نالت إعجاب الزهرة؟

بالنظر إلى مسيرتي الطويلة في عالم القراءة، والعدد الهائل من الروايات العربية والعالمية التي قرأتها، لا يمكنني الحديث عن رواية واحدة أعجبت بها، إذ توجد عشرات الروايات العربية والعالمية التي أعجبت بها. كما أن الرواية الأنموذج لا وجود لها في اعتقادي. فالإبداع مهما بلغ من الإتقان، يظل دوما عملا ناقصا. والمبدع مهما كانت درجة حنكته وتمرسه على الإبداع، يظل يحلم عبثا، بالنص المكتمل. وهذا الحلم هو ما يدفع الكتاب بمن فيهم من نالوا جائزة نوبل، للبحث دوما، عن أدوات جديدة وأفكار جديدة، ولا يتوقفون عن الكتابة بمجرد حصولهم على الجائزة. لا يوجد إذن “الأنموذج”، في الإبداع الروائي أو غير الروائي،لكن هذا لا يعني عدم تميز روايات عن غيرها سواء على مستوى العربي، أو العالمي. وأنا شخصيا، أميل إلى الروايات العميقة المكتنزة، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالقضايا الإنسانية الكبرى، مثل الحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، والمقاومة، وغيرها، والتي تؤثر في القارئ، وتعمق إنسانيته، وتجعله أحيانا يراجع أفكاره ومعتقداته.وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: “ثلاثية نجيب محفوظ”، و”شرق المتوسط” لعبد الحمان منيف،و”الطاعون” للكاتب الفرنسي ألبير كامو، و”الإضراب”للكاتبة الإسبانية إيزابيلا ألفاريس دي طوليدو، و”كوخ العم طوم” للكاتبة الأمريكية هيري تستو. فرغم قراءتي كما أشرت سابقا، لعدد لا يحصى من الروايات العربية والعالمية، القديمة والحديثة، ولمشاهير الروائيين، إلا أن مثل هذه الروايات بقي أثرها محفورا في وجداني. إنها مسألة توجه فكري وذوق فني.

 

6-   الأستاذة الزهرة رميج تجمع بين أجناس مختلفة(القصة- الرواية- الترجمة…)، أين تجدين نفسك أكثر بين كل هذه الأجناس الأدبية؟

لا يوجد نص كتبته دون أن أجد فيه نفسي، سواء كان شعرا أم قصة أم رواية، فالكتابة عندي لا تأتي من الخارج، وإنما من الداخل، بمعنى أني لا أفكر قبل الكتابة في اختيار هذا القالب أو ذاك، وإنما الأفكار التي تتبلور في ذهني والمشاعر التي تموج بداخلي هي التي تدفعني إلى الكتابة. وطبيعة تلك الأفكار والأحاسيس هي التي تفرض نوع الجنس الأدبي القادر على استيعابها. يحدث أحيانا، أن أعتقد أن الفكرة ستخرج في قالب قصصي، فإذا بها تتمرد لتخرج في قالب روائي مثلما حدث مع رواية “أخاديد الأسوار” التي بدأت بنص قصصي، لكن الفكرة لم تتوقف عند ذلك الحد، وراحت تلح لتتابع الطريق، وتتوسع أكثر فأكثر. وقد أعتقد أن نصا سيخرج في قالب قصة قصيرة، فإذا به يأتي في قالب القصة القصيرة جدا، والعكس صحيح.

فالكتابة هي التي تدعوني إليها، عندما تنضج الأفكار بداخلي، ومن ثم هي التي تختار الحلة التي تخرج بها إلى العالم. وما دامت هذه الكتابة تتميز بالصدق الذي أشرته إليه سابقا، فإني بالتأكيد أجد نفسي فيها، لأني أعبر من خلالها عن أفكاري وآرائي، ونطرتي للعالم من حولي.

ومثلما أجد نفسي في الإبداع بشكل عام، أجد نفسي أيضا، في الترجمة. ذلك أني لا أترجم إلا النصوص التي تمتعني فكريا وفنيا، والتي تكشف لي عوالم جديدة أسعى لتعريف القارئ العربي بها، كما هو الشأن بالنسبة للأدب الأسيوي والأدب الإفريقي.

 

7-   إلى أي مدى استطعت الانفلات من سلطة الرقابة في كتاباتك، الذاتية على الأقل إن حصل؟ أم هناك نية للرجوع ثانية إلى الكتابة قصد الإفصاح عما تبقى لديك من ذكريات خانتك الجرأة في التعبير عنها؟

الكتابة عندي ليست بَوْحًا، ولا اعترافا، لأنها لا تتمحور حول ذاتي كفرد، وإنما حول قضايا عامة بقدر ما تخصني تخص الآخر أيضا. والجرأة بالنسبة لي هي جرأة طرح القضايا الساخنة، وفضح ما يجب فضحه من سلوكيات، وأساليب تعوق تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية، وكل ما من شأنه أن يساهم في تطور المجتمع ورقيه. ويمكن لمن يتأمل كتابتي أن يلاحظ أني أتناول هذه القضايا دونما حواجز تذكر. لقد سبق لي أن أشرت في أحد الحوارات، أني كتبت روايتي الأولى “أخاديد الأسوار” بكل حرية وأطلقت فيها العنان للقلم كي يعبر عن الألم والغضب الذي كان ينتابني أثناء الكتابة، وعن نقدي لمظاهر الفساد والرداءة، والتطرف الذي يعرفه مجتمعنا المغربي والعربي.

وتحدثت عن الاعتقال السياسي وآثار التعذيب، وعبرت عن موقفي بصراحة، من هيئة الإنصاف والمصالحة، وغيرها من القضايا. نفس الشيء في رواية “الناجون” التي تناولت فيها سنوات الجمر والرصاص، وخصصت لها فصلا كاملا، عنونته ب”زمن الثورة والغضب” وعبرت فيها عن تقييمي الخاص لهذه المرحلة بذكر إيجابياتها وسلبياتها، وانتقدت الأوضاع السياسية المغربية والعربية، وعبرت عن حلمي بقيام شباب اليوم بثورة سلمية تحقق ما كان جيلي يحلم به من تغيير، وهو ما تحقق فعلا، مباشرة بعد انتهائي من كتابة الرواية، مما جعل النقاد يعتبرون الرواية تنبؤا بحدوث الربيع العربي. أعتقد أن الكتاب اليوم، ما عادوا يخضعون أنفسهم كثيرا للرقابة، خاصة وأن السياسة المتبعة في أغلب الأنظمة هي: “اكتب ما تشاء، وأنا سأفعل ما أشاء”، وهذا ما عبرت عنه صراحة في رواية “الناجون”.

 

8-   الكتابة النسائية تتم غالبا بوعي قلق، بعيدا عن الاطمئنان للطرف الآخر الذي لن يكون إلا رجلا، ما رأيك؟

كما سبق لي أن أشرت في مناسبات عديدة، أنا لست كاتبة نسوية، تتخذ من قضية المرأة محور كتاباتها. فكتابتي لا علاقة لها بقضية الصراع بين الرجل والمرأة، وإنما بصراع الإنسان من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لا فرق في ذلك بين الجنسين. ذلك أن ما دفعني إلى الكتابة ليس هذا الصراع، وإنما الرغبة في التعبير عن أفكاري ومواقفي من قضايا مجتمعي. لقد كانت الكتابة بالنسبة لي بديلا عن الانتماء السياسي، إذ اعتبرتها “الحزب” الذي أستطيع من خلاله إيصال أفكاري ومواقفي. لكن هذا لا يعني أني لا أدافع عن المرأة ضد الفكر الذكوري. فأنا امرأة ومن الطبيعي أن أتناول مشاكل بنات جنسي. ولكني في نفس الوقت، أتناول مشاكل الرجل والذي قد يعاني بدوره من تخلف المرأة وعدم وعييها.

ولذلك، أعتبر أن الصراع لا يجب أن يكون بين الرجل والمرأة، وإنما بينهما معا وبين التخلف والأمية التي تجعل من المرأة نفسها حمالة للفكر الذكوري، بل ومدافعة عنه بشراسة. وهذا ما طرحته في رواية “عزوزة” حيث إن المرأة/ الحماة هي من وقفت في وجه ابنها أحمد عندما وجدته يتمرد على هذا الفكر الذكوري برفضه الزواج من امرأة أخرى، وتقبله بصدر رحب، بل وبحب وسعادة، إنجاب البنات فقط. أعتقد أن النظر إلى الرجل كعدو للمرأة، وتحميله مسؤولية كل المشاكل التي تتخبط فيها، لن يزيد هذه المشاكل إلا تفاقما، لأن التطرف لا يولد سوى التطرف،ولأن ذلك يبعدنا عن المصدر الحقيقي لهذه المشاكل إلا وهو غياب الديمقراطية الحقيقية التي تضمن حقوق الإنسان، وتحافظ على كرامته. ففي المجتمع الديمقراطي الذي تحظى فيه المرأة مثل الرجل بالحق في التعليم، والعمل، والمساواة، لن يكون هناك صراع بين الجنسين، بل اتحاد بينهما لمواجهة الرداءة، ونشر المحبة والجمال في كل مكان.

 

 

%d مدونون معجبون بهذه: