رأي

“إيديا”شهيدة الإهمال: يا أبت أنا فقط قلت لك الى اللقاء..

عبدالنبي مصلوحي

مرة أخرى تفضح الوقائع  بهتان واقع الحال الذي طالما سوقت له الحكومة المنتهية، وستسوق له بكل تأكيد الحكومة المولودة حديثا بعد مخاض عسير، ويطال الأمر هذه المرة السياسة المتعلقة بقطاع الصحة العمومية في بلادنا، بعد وفاة طفلة بإحدى مناطق المغرب العميق،  اسمهما “إيديا” عمرها لا يتجاوز عمر البراعم، أصيبت قبل أيام في رأسها نتيجة سقوطها…ولأن قريتها “تنغير” يفتقر مستوصفها إلى المعدات والأطر الطبية، اضطر ذووها أن يقطعوا بها مئات الكيلومترات بحثا عن “سكانير” يشخص حالتها، ولما وجدوه بمستشفى الحسن الثاني بفاس كان الأوان قد فات، حيث  أغلق نزيف داخلي  لم تشخصه الفحوصات التي أجريت لها بقريتها وبالرشيدية منافذ التنفس داخل صدرها الصغير، فكان ذلك سببا في وفاتها..فلو كان مستشفى قريتها يتوفر على جهاز “سكانير”، كانت هذه الجروح البسيطة ستتسبب في فاتها؟ لو كانت كل المعدات متوفرة إلى جانب الأطر الطبية لتم تشخيص حالة الطفلة قبل أن يعمل النزيف ما عمله برئتيها الصغيرتين وتفارق على إثر ذلك الحياة..تفارقها بسبب التأخير في تشخيص النزيف، وليس بسبب الجروح التي تعرضت لها بعد سقوطها.

إيديا الطفلة البرئية، شهيدة الإهمال، موتها بهكذا طريقة  يسائل وزارة الصحة التي تتبجح بنجاحات لا توجد إلا على الورق، مثلما يسائل كل السياسات العمومية بمناطق المغرب العميق، حيث غياب أدنى الشروط الحافظة  لكرامة الإنسان.

موت إيديا الشهيدة، خلف وصية مؤثرة تلاها والدها أمام حشد المشاركين في تشييع جنازة صغيرته..تقول هذه الوصية  المترجمة من الأمازيغية إلى العربية:

“يا أبتِ، أنا فقط قلت لك إلى اللقاء، ولم أودعك للأبد ولم أمت..أنا أسكن قلبك، وقلوب جميع أفراد عائلتي…أوصيك يا أبي ألا تلطخ موتي أو مراسيم جنازتي أو اسمي بتركه في أيدي جهة معينة…يا أبتِ، لقد سبقتني العديد من “إيديا” وستأتي بعدي “إيديات” أخريات..يا أبتِ، لا تقل لماذا ماتت إيديا، لأن الموت علينا حق..

لكن يجب عليكم أن تنتبهوا إلى كيفية وفاة إيديا..يجب على الآباء والأمهات أن يراقبوا أبناءهم.. كما يجب علينا جميعا أن نمضي قدما لبناء وطننا…وطن المؤسسات، الذي فيه يمكننا ان نعيش بكرامة، وليس ذلك الوطن الذي نقطع فيه 700 كلم من أجل تلقي العلاج…وحتى إذا اقتضى الأمر أن يتنقل المواطن لمسافة طويلة فيجب على الأقل توفير سيارة إسعاف يموت فيها برحمة.

لا يجب يا أبتِ أن نلوم الأطباء، لأن لهم همومهم ومشاكلهم ومعاناتهم… نحن لم نظلمهم، فلا يجب عليهم أن يظلمونا…ليس المشكل هو الموت،  بل المشكل الخطير يكمن في أن يتسبب جرح بسيط في الموت..”.

إيديا بهذه الوصية ستظل على قيد الحياة، ستظل ضميرا قلقا ..يسائل الدولة كما يسائل المجتمع، وكل الذين لهم ضمائر حية في هاته البلاد.

فرحم الله “إيديا”.

 

الأكثر قراءة

To Top