رأي

إنصاف ومصالحة خبزية

كتب: عبد العزيز بنعبو

ذات ندوة، اعجبتني فكرة أحد الأصدقاء المسرحيين، الذي قال خلال مداخلته أنه يلزمنا نوع من الإنصاف والمصالحة مع ذاكرتنا المسرحية. والكلمة هنا تحمل أكثر من دلالة. فهي تقر بوجود حيف في حق هذه الذاكرة، كما انها تقر بوجود حيف في حق الجيل الجديد الذي لم يجد طريقا لهذه الذاكرة.

لكن من وجهة نظر اليومي، فهو غير معني بمثل هذه النقاشات التي تبدو أفلاطونية جدا بالنسبة إليه وإلى حاجياته. الكلام عن المسرح انتهى عندما غادر المغاربة المسارح واعتنقوا الاستهلاك القادم إليهم عبر قنطرة الدهشة.

اليومي صار سيدا دون منازع، يعيث ترهيبا في جيوب المواطنين ونفوسهم طبعا. صار الهلع مثل شهقة تصعد هكذا على حين غرة. فهل نستطيع أن نصنع فنا وثقافة تناسب هذا المواطن الذي حرم من حقه في الاطمئنان على يومياته؟ أقول أبدا، لأن بعض صناع الفرجة الفنية لا يأبهون للمواطن ولا ينتظرون رضاه، بقدر ما يريدون رضا جيوبهم وبطونهم ورغباتهم. هم أيضا لهم عذرهم، فالأسعار لا تفرق بين هذا وذاك، الكل في قفة الزيادات بيض قابل للكسر و “التبعاج”. لذلك لا نلوم نهما على نهمه فهو يخاف من يوم معسرة، ولا نلوم “إقصائيا على إقصائيته” فهو يخاف يوم العزلة الكبرى. ولا ولا ولا ولا… اللائحة طويلة ولا يمكن حصرها.

الحقيقة أن الخلط بين اليومي والإبداع الفني والثقافي والعمل المهني الإعلامي، هو تحصيل حاصل، فالعديد من السلوكيات غير المتوازنة، سببها عدم توازن يوميات صاحبها. وإذا كانت الحاجة أم الاختراع، فالخوف والبؤس أبو الانسلاخ عن القناعات والمبادئ.

ليس هذا القول من قبيل الجزم لكنه من صميم معايشات ويوميات نتنفسها جميعا من خلال أصدقاء وزملاء وفنانين ومبدعين. هي اليوميات التي تضطرك إلى ركوب دابة في طريق سيار كله مركبات حديثة. وهي اليوميات التي تجعلك تستمع إلى واعظ في “الطوبيس” أو غاضب في “الطاكسي” أو تشاهد متحرشا في الاماكن العامة أو متسولا “يحنزز” فيك حتى يكاد يضربك.

ورغم ذلك لا عذر لمن سمح لليوميات بأن تهزمه، ولا عذر لمن لوث هواء الفن بمصالحه الخاصة في سبيل اليوميات، لا عذر لأحد في أن يؤذي الجميع. لا مكان لفرد يريد لنفسه ما لا يريده للآخرين. هي شراكة يومية ومصير مشترك نصنع به تاريخنا الفني والثقافي والإعلامي والفكري والعلمي.

وبالعودة إلى الإنصاف و المصالحة نريدها فنية و ثقافية وخبزية أيضا ..

 

الأكثر قراءة

To Top